تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨ - المقدمة الثانية
الطبيعة هي بمنزلة النفاخات الواقعة في كورة الحدّادين.
و أول ما يخرج إلى الفعل من القوّة و إلى البروز من الكمون هي صورة الحسّ و المحسوس، إذ كلّ إدراك سواء كان حسّا أو تخيّلا او وهما او تعقّلا او تألّها، فهو بضرب من التجريد، و مراتب التجريدات في الشدّة و الضعف كمراتب الإدراكات في الكمال و النقص، فأقلّ التجريدات التجريد الحاصل في الحسّ، فإنّ الحسّ تجرّد الصورة القائمة بالمادّة المغشّاة بالغواشي الماديّة من أصل تلك المادّة و لكن لا يجرّدها من الغواشي، بل هي معها مع اشتراط أن يكون لمحلها من الحسّ نسبة وضعيّة جسمانيّة إلى تلك المادّة المنتزعة هي عنها حتّى أنّه لو غابت تلك المادّة غابت الصورة أيضا عن الحسّ.
و أمّا الخيال فيجرّد الصورة عن المادّة تجريدا أتمّ و إلى أفق المفارقات تقريبا أشدّ فإنّه يجرّدها عن المادّة و عن ملابسها و غواشيها الجسمانيّة من غير اشتراط حضور المادّة أيضا لكن بشرط بقاء تخصّصها و تعيّنها المشابه لتعيّنها المادّي في عالم التمثّل الخيالي.
و أما الوهم فيجرّد الصورة تجريدا أتمّ من تجريد الحسّ و الخيال جميعا بحيث يتصوّر المعاني الحاصلة في الأجسام و يجرّدها عن الموادّ و عن صفاتها المكتفة بها لكن لا يمكن للوهم تجريد المعنى بالكليّة عن الموادّ الشخصيّة و عن صفاتها جميعا حتى عن اضافتها إلى الشخص بل يتصوّر كلّا من المعاني مضافا إلى شخص بعينه، إذ الوهم نفسه أيضا كذلك لأنّه عبارة عن قوّة عقليّة مضافة إلى جوهر جسماني، حتّى لو تجرّد عن هذه الإضافات صار الوهم عقلا و الشيطان ملكا و الجربزة حكمة.
و أمّا العقل فشأنه تجريد الصور عن الموادّ تجريدا أتمّ و أقوى من جميع ما سبق لأنّه كما يجرّدها عن الموادّ و ملابسها، يجرّدها عن أنحاء التعلّقات و الإضافات كلّها فيصيّرها لبّا خالصا صافيا مقدّسا مطهّرا عن الأرجاس و الأدناس لائقا بحضرة القدس و حظيرة الانس و ذلك ما أردناه.