تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٩ - فصل في الهداية و الإضلال
صحّة أن يقال: «أضللته فما ضلّ» و إذا كان كذلك استحال حمل الإضلال على خلق الضلال.
أقول: و هذه الوجوه الثلاثة في غاية السقوط و الاندفاع عند من أحاط بمذاهب الفريقين و أغراضهما:
أما اندفاع الأول: فلأنّ غرضهم من خلق الضلال فيهم و منعهم و صدّهم عن السبيل هو إنشاء الوسوسة في قلوبهم كما في قوله تعالى: وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها [٩١/ ٧- ٨] فعندهم هو الموسوس بالحقيقة.
و أما اندفاع الثاني: فلأنّ نسبة كلّ فعل عندهم إليه تعالى بالخلق و إلى غيره بالكسب؛ و لا اختصاص لذلك بهذا اللفظ، فالحال في «أضلّ اللّه» و «أضلّ فرعون» و غيره كالحال في «هدى اللّه» و «هدى رسوله و أولياؤه» و في غيرهما من الأفعال المنسوبة إليه تعالى تارة و إلى غيره اخرى.
و أما اندفاع الثالث فبأن «هديته فما اهتدى» و «أضللته فما ضلّ» إنّما يصحّان فيما إذا كان الهادي و المضلّ من الممكنات، و أمّا إذا كان الفاعل هو اللّه بلا مدخليّة أحد فالتخلّف عمّا أوجبه محال.
و أما أدلّتهم العقليّة [١] فأوّلها: إنّه تعالى لو خلق الضلال في العبد ثمّ كلّفه بالايمان لكان قد كلّفه بالجمع بين الضدّين، و ذلك سفه و ظلم، و هما محالان عليه تعالى.
و ثانيها: لو كان تعالى خالقا للجهل و ملبّسا على المكلّفين لما كان مبيّنا لما كلّف به العبد، و الإجماع متحقق على كونه تعالى مبيّنا.
و ثالثها: إنّه لو كان كذلك لم يكن لانزال الكتب و بعثة الرسل إليه فائدة- بل كان عبثا و سفها.
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٥٦.