تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٢ - ما هو«عهد الله»؟
قال المتكلّمون في إنكار الوجه الثاني و إسقاطه [١]: كيف يحتجّ اللّه تعالى على عباده بعهد و ميثاق لا يشعرون به، كما لا يؤاخذهم بما أذهب علمه عن قلوبهم بالسهو و النسيان، فكيف يجوز أن يعييهم بذلك و يذمّهم.
أقول: إنّ الكلام في تحقيق إخراج الذرّية عن صلب آدم على صورة الذرّ عميق خارج عن طور أهل البحث خروجا شديدا؛ و بعدت أذهانهم عن دركه بعدا بعيدا، و قد وقعت الإشارة إليه حيث ذكرنا إنّ للإنسان أنحاء من البعث و الحشر.
و اعلم إنّ طوائف العلماء ذكروا في توجيه الخطاب الإلهي و الكلام الربّاني إلى المعدوم في حال عدمه وجوها:
أحدها ما ذكره القائلون بثبوت المعدومات و شيئيّة الماهيّات قبل وجوداتها كالمعتزلة القائلين بثبوت المعدوم ثبوتا خارجيّا، و كبعض المتصوّفة القائلين بثبوته ثبوتا علميّا في الأزل، و هو إن الخطاب مع أفراد البشر حين ثبوتها في الخارج أو في علم اللّه، و قد أقيمت البراهين على [بطلان] شيئيّة المعدوم في الكتب العقليّة و زيّف القول بها بما لا مزيد عليه.
و ثانيها ما يبتني إمّا على قول بعض الحكماء القائلين بقدم الأرواح الإنسانيّة او على القول بتقدّمها على الأبدان بألفي عام، كما
ورد في الحديث النبوي [٢]- على قائله و آله السلام- و في رواية: «خلق اللّه الأرواح قبل الأجسام بأربعة آلاف سنين»
و إنّ الخطاب ٣٤ و العهد وقعا على الأرواح الإنسانيّة قبل تعلّقها بالأبدان العنصريّة.
و هذا أيضا مقدوح- لدلالة البراهين، القائمة على بطلان تقدّم النفوس ٣٥ بأنحاء وجوداتها المختصّة على الأبدان- فضلا عن قدمها.
و قد ذكر معلم الفلاسفة وجوها من البراهين على أنّ حدوثها بحدوث الأبدان [٣] و ذلك لأنّ المفارقات عن الأجسام و علائقها لا تغيّر و لا تجدّد لها و لا يسنح لها حالة
[١] الفخر الرازي: ١/ ٣٦٥.
[٢] بحار الأنوار: كتاب السماء و العالم: باب ٤٣: ٦١/ ١٣٢.
[٣] راجع المباحث المشرقية: ٢/ ٣٩٠. و الاسفار الاربعة: ٨/ ٣٣٤.