تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٣ - طريق آخر
فكيف يكون حال ما وصوله بملاقات السطوح بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابلة حتى يكون كأنّه هو بلا انفصال؟ إذ العقل و العاقل و المعقول شيء واحد كما هو عند التحقيق- أو قريب من الواحد- كما عليه الجمهور.
و أما إن المدرك في نفسه أكمل فأمر لا يخفى. و أما إنّه أشدّ إدراكا فأمر أيضا تعرفه بأدنى تذكّر منك لما مضى بيانه، فإنّ البصيرة الإنسانيّة أكثر عدد مدركات و أشدّ استقصاء للمدرك، و أشدّ تجريدا له عن الزوائة الغير الداخلة في معناه إلّا بالعرض؛ و لها أيضا الخوض في باطن المدرك و ظاهره و لبّه و قشره.
بل كيف يقاس هذا الإدراك العلمي بذلك الإدراك الحسّي أو يقاس هذه السعادة العقليّة بتلك اللذّة الحسيّة و البهيمية و الغضبيّة؟
بل لا يخفى إنّ في العلم و المعرفة لذّة لا يكافيها لذّة، و نحن في عالمنا و بدننا هذين و لانغمارنا في بعض الرذائل لا نحسّ بتلك اللذّة و لا نحنّ إليها؛ لكنّا لو خلعنا ربقة الشهوة و الغضب و أخواتها عن أعناقنا، و ننفض آثارها عن أذيالنا، و طالعنا شيئا من تلك اللذّة فحينئذ ربما تخيّلنا خيالا طفيفا ضعيفا- و خصوصا عند انحلال المشكلات و إزالة الشبهات و استيضاح المطلوبات النفيسة- من تلك السعادة التي كلامنا فيه، و مع ذلك نجد منها لذة نستحقر بها سائر اللذات.
و ممّا يوضح إن اللذّات العقليّة و الكمالات العلميّة أعظم و أقوى إنّ كلّ قوّة باطنة فبقدر بطونها ألذّ كمالا و أقوى بهجة من كلّ قوّة ظاهريّة، حتى أنّ العالم بالشطرنج على خسّته لا يطيق السكوت عن التعليم، و ينطلق لسانه بذكر ما يعلمه.
و أنت تعلم إنّك إذا تأمّلت عويصا يهمّك، و عرضت عليك شهوة و خيّرت بين الظفرين استخففت بالشهوة إن كنت عالى النفس كريم الهمّة- و الأنفس العاميّة أيضا فإنّها تترك الشهوات المعترضة و تؤثر الغرامات و الآلام القادحة بسبب افتضاح أو خجل أو تعيير أو سوء مقالة، و لو خيّر الرجل بين لذّة الهريسة و الدجاج المسمّنة و اللوزينج و بين لذّة الرياسة و الحكومة و قهر الأعداء و نيل درجة الاستيلاء فإن كان المخيّر