تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٥ - طريق آخر
و إذا خرج النظر عن المحدودات و المقدورات فلا نهاية لعرضها، فلا يزال العارف الربّاني بمطالعة معلوماته في جنّة عرضها السموات و الأرض؛ يرتع في رياضها و يقطف من ثمارها، و هو آمن من انقطاعها، إذ ثمار هذه الجنّة غير مقطوعة و لا ممنوعة، ثمّ هي أبديّة سرمديّة لا يقطعها الموت، إذ الموت لا يهدم محلّ معرفة اللّه لأنّ محلّه الروح الذي هو أمر ربّاني و سرّ أسمائي و نور إلهي، إنّما الموت يغيّر أحوالها، و يقطع شواغلها و عوائقها، و يخليها و دارها و منزلها و معادها- و أمّا أن يعدمها فلا.
وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ [٣/ ١٧٠] الآية.
و لا تظنّن إنّ هذا مخصوص بالمقتول في المعركة فإنّ للعارف بكلّ نفس درجة ألف شهيد، و
في الخبر [١]: «إنّ الشهيد يتمنّى في الآخرة أن يرد إلى الدنيا ليقتل مرّة اخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة، و إنّ الشهداء يتمنّون أن يكونوا علماء لما يرون من علوّ درجة العلماء».
فإذا جميع أقطار ملكوت السموات و الأرض ميدان العارف يتبوّء منها حيث يشاء من غير حاجة إلى أن يتحرّك إليها بجسمه و شخصه، فهو من ملاحظة جمال الملكوت في جنّة عرضها السموات و الأرض، و كلّ عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلا، إلّا أنّهم يتفاوتون في سعة متنزّهاتهم بقدر تفاوتهم في اتّساع نظرهم وسعة معارفهم و هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ و لا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم و مقاماتهم.
و قد ظهر إن لذة و هي باطنة أقوى في ذوي الكمال من لذات الحواسّ كلّها و إن هذه اللذّة لا يكون لبهيمة و لا صبيّ و لا معتوه و إنّ لذّة المحسوسات و الشهوات يكون لذوي الكمال مع لذّة الرياسة و لكن يؤثرون الرياسة.
[١] جاء الشطر الاول من الحديث في الصحاح عن انس: البخاري: ٤/ ٢٠ (راجع ايضا المعجم المفهرس: ٣/ ١٩٩) و لعل جملة «و ان الشهداء ...» من كلام الكاتب و ليس من الحديث (راجع ايضا: تخريج أحاديث الأحياء: ذيل احياء العلوم: ٤/ ٩).