تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٣ - حكمة مشرقية سر خلافة الإنسان لله تعالى
الخلق في ظلمة، ثمّ رشّ عليهم من نوره»
فما أصابه ذلك النور فقد اهتدى، فكان عرض ذلك النور المسمّى بالأمانة من صفات الحقّ، فلا يتملّكه أحد عاما على المخلوقات و إصابته مختصّا بالإنسان الكامل المتحمّل للأمانة الإلهيّة، فبذلك النور صحّ له الخلافة الإلهيّة المختصّة به من بين المخلوقات ذوات الأرواح.
فهذا هو الجواب الربّاني عن شبهة الملائكة المستفاد من قوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إشارة إلى ذلك النور المشار إليه و من قوله: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها إشارة إلى مروره على كلّ العوالم و اتّصافه بمظاهر الأسماء، و من قوله: إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا إشارة إلى صفتي الغضب و الشهوة الموجبتين لعجزه و قصوره المستدعيتين عند وقاية شرّهما لعبوره و هما اللذان جعلهما الملائكة من أسباب حرمانه عن التكريم و الخلافة في قوله: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ اي من من شأنه هذين الأمرين بمقتضى تينك الصفتين- و قد جعلهما اللّه من أسباب الإنابة إليه و الرجوع إلى دار الكرامة.
و اعلم إن شبهة الملائكة عليهم السّلام في باب خلافة الإنسان حيث قالوا وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قريب المأخذ من شبهة الشيطان اللعين في باب مسجوديّته حيث قال خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [٧/ ١٢] إلّا إنّهم ذكروها استكشافا و استعلاما، و ذكرها اللعين استكبارا و افتخارا و استبدادا بالرأي و القياس في مقابلة النصّ.
و بالجملة فضيلة الإنسان على الملائكة و الجانّ ليس من جهة الصورة كما تصوّره الملائكة، و لا من جهة المادّة كما توهّمه الشيطان؛ بل من جهة الغاية و العاقبة كما أشير إليه بقوله: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي [٨٩/ ٢٧- ٢٨].