تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٠ - إشراق نور قرآني طلع من أفق عالم رحماني كلام أهل التحقيق في القدر و أفعال العباد
اعتقاده، و أقرب إلى السلامة لاقتصاده، بل هو مسلم معذور و ليس بمفتون ممكور.
فالأشاعرة حيث نسبوا الأفعال إلى اللّه تعالى فقد أساؤوا الأدب و تجاسروا في حقّ الحقّ، و ما عرفوا حكمة الإيجاد و ترتيب النظام و جهلوا علم التكليف، فكيف أجابوا عمّن سئلهم من المكلّف الذي قيل له: «افعل» أو «لا تفعل»؟ و بمن تعلّق الأمر و النهي؟ و إلى من توجّهت الشريعة النبويّة؟ فكانت الشريعة كلّها هباء و عبثا، و غاية السعي و الطاعة ضائعا و هذرا.
و ليس متعلّق التكليف ما يسمّونه بالكسب، إذ لا تأثير له عند من يقول به، بل الذي يتعلّق به التكليف و ينوط به الشريعة اقتدار لطيف من العبد مندرج في الاقتدار الإلهي كاندراج نور الكواكب و السراج في نور الشمس، فيعلم بالدليل إنّ للكوكب نورا منبسطا على وجه الأرض، لكن ما ندركه لسلطان نور الشمس كما يعطى الحسّ في أفعال العباد إنّ الفعل لهم حسّا و شرعا، و إن الاقتدار الإلهي مندرج فيه يدركه العقل بالبرهان، و لا يدركه الحسّ، كاندارج نور الشمس في نور الكوكب- و هو عين نور الشمس و الكوكب لها مجلى.
فالنور كلّه للشمس، و الحسّ يجعل النور للكوكب، و على الحقيقية لا نور إلّا نور الشمس، فاندرج نوره في نفسه، إذ لم يكن ثمّة نور غيره، و المرائي- و إن كان لها أثر- فليس ذلك من كونها نورا، فالنور له أثر من كونه نورا بلا واسطة، و يكون له أثر آخر في مرآة تجلّيه يحكم بخلاف حكمه من غير واسطة؛ فنور الشمس إذا تجلّى في البدر يعطى من الحكم ما لا يعطيه منه بغير الواسطة، و لا شكّ في ذلك.
و كذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلّى في العبيد فظهرت الأفعال على الخلق، و هو و إن كان بالاقتدار الإلهي و لكن يختلف الحكم لأنّه بواسطة هذا المجلى الذي كان مثل المرآة بتجلّيه.
و كما ينسب النور الشمسي إلى البدر في الحسّ- و الفعل لنور البدر و هو للشمس فكذلك ينسب الفعل إلى الخلق في الحسّ و الفعل انما هو للّه في نفس الأمر،