تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٩ - الإشراق الثالث في ذكر آيات قرآنية تشير إلى منافع الأرض
و منها الأحجار المختلفة- بعضها للزينة و بعضها للأبنية، فانظر إلى الحجر الذي يستخرج منه النار مع كثرته، و إلى الياقوت الأحمر مع عزّته؛ ما أكثر النفع بهذا الحقير، و ما أقل النفع بذلك الخطير! و منها ما أودع اللّه فيها من المعادن الشريفة كالذهب و الفضّة و غيرها.
ثمّ تأمّل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة و الصنائع الجليلة، و استخرجوا السمك من قعر البحر، و استنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا عن اتّخاذ الذهب و الفضّة عناية من اللّه، لأنّ معظم فائدتها يرجع إلى الثمنيّة؛ و هذه الفائدة لا تحصل إلّا عند العزّة، و القدرة على اتّخاذها تبطل الحكمة فلذلك ضرب اللّه دونها بابا مسدودا؟ و لهذا اشتهر في الألسنة: «من طلب المال من الكيمياء أفلس».
و منها الحطب و الأشجار الصالحة للبناء و السقف- إلى غير ذلك ما لا يمكن ضبطها- و أعظم هذه الأمور إنّها مادّة خلقة الإنسان المنبعث منها النفس، و منها القلب، و منه الروح، و منها سرّ الولاية و النبوّة كما قال عقيب الآية السابعة وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ إشارة إلى خلق أطوار و نشئات كثيرة منها لا نعلمها نحن، ثمّ إنه تعالى جمع هذه المنافع العظيمة للأرض و منّ اللّه بها على عباده في قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمْ ... ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [٢٢/ ٦٥].
قال بعضهم: لمّا خلق اللّه تعالى الأرض، و كانت كالصدف و الدرّة المودعة فيها آدم، ثمّ علم أصناف حاجاته، فكأنّه قال: يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالامّ؛ فقال: أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا [٨٠/ ٢٦]- الآية- وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ يا عبدي- إنّ أعزّ الأشياء عندك الذهب و الفضّة، و لو أنّي خلقت الأرض منهما هل كان يحصل منها هذه المنافع؟! ثمّ إنّي جعلت هذه الأشياء في الدنيا مع إنها سجن لك، فكيف الحال في الجنّة؟! فالحاصل أن الأرض امّك، بل أشفق منها، لأنّ الامّ تسقيك نوعا واحدا من