تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠١ - تنبيه
من جسم دائم الحركة، و آخر دائم السكون، فاللّه تعالى خلق السماء فوق الأرض و جعلها مشتملة على أجرام بعضها منيرة كالكواكب، و بعضها شفّافة كالأفلاك الكليّة و الجزئيّة ليؤثّر أنوارها في الأرضيات و يمتزج بها، و يخرج منها اللطائف و البخارات، و ينشأ منها الكائنات، و يتكوّن بها الحيوان و النبات رزقا للعباد، و وسيلة لارتقاء الكلمات الطيّبات إليه تعالى.
و لو كانت الفلكيّات كلّها نوريّة لاحترقت بالشعاع ما دونها من عالم الكون و الفساد، و لو كانت عريّة عن النور لبقي في مهوى ظلمة شديدة لا أوحش منها، فجعل اللّه الكواكب مضيئة، و السماء شفّافة إذ لو كانت ملوّنة لوقف الضوء على سطوحها كما يقف على الأجرام الملوّنة الكثيفة.
و لو كانت الكواكب النيّرة ثابتة غير متحركة بأن يكون مكان أكثرها او معظمها كالشمس يلي القطب لا حرقت ما قابلها من الأرض و لم يلحق أثرها ما غاب عنها، فيؤدي إلى شدّة البرد و جمود المياه و الرطوبات، الموجب لهلاك الحيوان و الثمرات، و لو كانت الكواكب النيّرة- سيّما الشمس- متحركة بالحركة البطيئة فعلت ما فعله السكون من إفراط الجمود و البرودة في المواضع الخارجة عن سمتها، و لو كانت مع تحرّكها بالحركة السريعة اليوميّة بوجه لازمت دائرة واحدة لا حرقت ما سامتته الدائرة و لم يصل أثر الشعاع إلى باقي النواحي و الأقطار.
فجعل للكواكب- مع حركة الكل السريعة- الحركات الاخر البطيئة ليميل بها إلى النواحي شمالا و جنوبا، ليحصل من ذلك الفصول الأربعة التي بها يتمّ الكون و باختلافها تنصلح أمزجة البلاد، و تتكون النفوس الصالحة من العباد للمعاد.
و هذا هو الجليّ من حكمة أوضاع السماء و ما فيها و الذي يعرفه أكثر الناس؛ و لها في هيئاتها و أوضاعها الخفيّة- من خصائص مواضع اوجاتها و حضيضاتها