تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١ - المقدمة الرابعة
و إنّما تثبت هذه الأوصاف لهذه النيران الدنياويّة، لأنّها ليست نيرانا محضة بل في مادّتها نار و نور سانح كما مرّ و أمّا التي هي نار محضة، فتمامها إنّها صورة جوهريّة حارّة بالذّات محرّكة للموادّ محلّلة مذيبة للأجساد، محرقة موذية مهلكة قطّاعة نزّاعة مفسدة للصور الاتّصالية، و فساد الصور بوارها، فدار البوار هي محل ظهور سلطان النار.
و أمّا عالم النور فهو محل ظهور الحقائق من حيث إنّها حقائق و بقاؤها و سلطانها و الأبواب إليها منسدّة إلّا من قبل آثارها و من ناحية صورها المحسوسة و لهذا قيل: من فقد حسّا فقد علما.
و من تأمّل علم إنّ النيران التي عندنا فمحلّ ناريّتها الحقيقية في الحقيقة دار البوار لا دار القرار، لأن النار هي المحلّلة المفرقة و هذا المحسوس من النار ليس محرقا حقيقة و الذي يباشر الإحراق و التفريق حقّا و حقيقة هي نار مستورة عن هذه الحواسّ خارجة عن فكر الناس و القياس مرتبطة بهذا المحسوس و بغيره ارتباطا و هذا شيء يوافقنا علماء النظر لاعترافهم بأنّ الأثر لا يبقى بعد وجود ما هو الفاعل له حقيقة و إنّما الذي يبقى بعده الأثر فهو فاعل في علم الطبيعة و باصطلاح الطبيعيّين و ذلك يسمّى في علم ما بعد الطبيعة و باصطلاح الإلهييّن: «معدّا»، لا فاعلا مفيدا.
فقد تبيّن و اتّضح إنّ ناريّة النار أي كونها محلّلة مزيلة للصورة، ليست حاصلة فيما يفارقه، و إنّ نار اللّه الكبرى لا مستقرّ لها سوى دار البوار، لأنّ حقيقتها منبعثة عن تنزّلات الأنوار الإلهيّة و العقليّة عند هبوطها عن عالم النور إلى عالم الاستحالة و الدثور فالطبيعة الناريّة سارية في كلّ المستحيلات الجوهريّة.
و عندنا إنّ جميع الجواهر الماديّة سماويّة كانت أو أرضيّة سيّالة في ذاتها قابلة للاستحالة الجوهريّة و التجدّد و الذوبان بتأثير نيران الطبائع الغير المحسوسة، و هي نيران اخرويّة كامنة في بواطن الأجسام الدنيويّة و النفس الأمّارة بالسوء أيضا نار موقدة تطّلع على الأفئدة، و هي كلّها مولمة إلا إنّ بين الناس و بين إدراك المها حجابا.