تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٢ - فصل في الهداية و الإضلال
و ظلمات مضائق هذه القبور؛ و فائدتهما بالقياس إلى المطرودين بالعرض إعراضهم عن الذكر الحكيم زيادة في بعدهم و طردهم و معاداتهم لأهل اللطف و الكرامة ليفرحوا بما هم عليه من عمارة هذه الدار، و السعي في تحصيل الأرزاق و الأقوات، و صرف العمر في المعاملات و الزراعات خدمة لأهل الحقّ من حيث لا يشعرون.
و أمّا عن الرابع: فبأنّ الآيات الواردة على موافقته ليست بأقلّ من الآيات الواردة على مضادّته بحسب الظاهر، فالاعتضاد و التأييد بها ليس بأقلّ من القدح و الجرح بما يقابلها في ظاهر الأمر، و تلك مثل قوله [تعالى]: وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [٤٥/ ٢٣] و قوله: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ [٣٠/ ٢٩] قوله: وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [٢٧/ ٨١] لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [٣٦/ ٧] وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [١٠/ ١٠١] وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [٣٥/ ٢٢] إلى غير ذلك من آيات كثيرة في هذا الباب.
و أما عن الخامس: فبأنّ المعنى الواحد كما يختلف أحواله بحسب اختلاف المحالّ و القوابل كذلك يختلف بحسب اختلاف المبادي و الفواعل، بل هذا أشدّ في الاختلاف- كما تقرّر في مقامه- فالشيء الواحد ربما يذمّ و يمدح بالنظر إلى قابلين، و كذا يقبح و يحسن بالقياس إلى فاعلين.
أو لا ترى إن إهلاك قوم مؤمنين و إيلامهم مدّة في الدنيا قبيح عن الإنسان، حسن عن اللّه واقع منه، فلا منافاة بين كون الإضلال مذموما فعله من غيره تعالى، و ممدوحا منه، لأنّه ذاته بريء من الأغراض الفاسدة، و الأوصاف الرديئة، فكلّ ما يفعله فهو محض الخير و الصلاح و رعاية حال الأنام، و ملاحظة حسن النظام.
فمن قال: «القبيح ليس منه بقبيح» كأنّه أراد ما ذكرناه، لأنّ كلّ ما يفعله ففيه مصلحة الكلّ و حكمة الإيجاد و خير العباد و البلاد و سياقة الخلق إلى منزل الرشاد و طريق المعاد.