تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٨ - حكمة آدمية حقيقة الإنسان غيب السموات و الأرض و صورة علم الله تعالى
و روح تلك الصورة، و كانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة المسوّاة التي هي صورة العالم، المعبّر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير، و كانت الملائكة له كالقوى الروحانيّة و الحسيّة التي في النشأة الإنسانيّة.
و كلّ قوّة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، و إنّ فيها- فيما تزعم- الأهليّة لكل منصب عال و منزلة رفيعة عند اللّه، لما عندها من الجمعيّة الإلهيّة بين ما يرجع من ذلك إلى الجانب الإلهي، و إلى جانب حقيقة الحقائق، و في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف إلى ما تقتضيه طبيعة الكلّ [١] التي حصرت قوابل العالم كلّه- أعلاه و أسفله.
قال [٢]: «فأمّا إنسانيّته- فلعموم نشأته و حصره الحقائق كلّها، و هو للحقّ بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر، و هو المعبّر عنه بالبصر، فلهذا سمّي إنسانا فإنّه به نظر الحقّ إلى خلقه فرحمهم، فهو الإنسان الحادث الأزلي، و النشء الدائم الأبدي، و الكلمة الفاصلة الجامعة، فتمّ العالم بوجوده، فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم الذي هو محل النقش و العلامة التي بها يختم الملك على خزائنه.
و سمّاه خليفة من أجل هذا، لأنّه تعالى الحافظ [٣] خلقه، كما يحفظ الختم الخزائن. فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلّا باذنه، فاستخلفه في حفظ العالم، فلا يزال العالم محفوضا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل، ألا تراه إذا زال و فكّ من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحقّ فيها و خرج ما كان فيها، و التحق بعضه ببعضه، فانتقل الأمر إلى الآخرة، فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديّا.
فظهر جميع ما في الصورة الإلهيّة من الأسماء في هذه النشأة الإنسانيّة، فحازت رتبة الإحاطة و الجمع بهذه الوجود، و به قامت الحجّة للّه تعالى على الملائكة» ...
«فإنّها لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، و لا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحقّ
[١] المصدر: الطبيعة الكلية.
[٢] فصوص الحكم: ٥٠.
[٣] المصدر: الحافظ به خلقه.