تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٥ - فصل قوله تعالى و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك
و قد مرّ إن مقصودهم الاستخبار و الاستعلام، فإنّهم لمّا علموا إنّ المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره و دوام عمره: الشهوية و الغضبية و هما يدعوانه و يؤديان به إلى الفساد و سفك الدماء- و العقليّة- و هي تدعوه إلى المعرفة و الطاعة و نظروا إلى أحوال هذه القوى مفردة مفصّلة- لا على النظم الوحداني- قالوا: «ما الحكمة في استخلاف من يصحب تينك القوّتين، و هما ممّا لا يقتضي الحكمة إيجاد من يصحبهما، فكيف استخلافه؟ و أمّا باعتبار القوّة العقليّة فنحن نقيم ما يتوقّع منها سليما عن معارضة تلك المفاسد» و غفلوا عن فضيلة كلّ واحدة من القوّتين إذا صارت مهذّبة مطواعة للعقل، متمرّنة على الخير كالعفّة و الشجاعة، و مجاهدة الهوى و رعاية الانصاف، و لم يعلموا إنّ التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد كالإحاطة بالجزئيّات، و استنباط الصناعات، و استخراج منافع الكائنات من القوّة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف، و إليه أشار تعالى أجمالا بقوله: قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.
أقول: منشأ خلافة الإنسان إمّا من جهة القرب و الشرف او من جهة الكمال و المناسبة، و إن كان مرجع هذين إلى أمر واحد فإنّ الأقرب إلى اللّه وجودا يكون أكثر كمالا و أشدّ مناسبة له من غيره، إلّا إنّ المشهور إنّهما متغايران حيثيّة و اعتبارا.
فنقول: إن كان منشأها القرب فالوجه في تقرير الإشكال و تقرير الجواب كما سبق، و ذلك يناسب آراء الحكماء و أصولهم. و إن كان منشأها المناسبة و الطاعة و عدم المعصية، فالوجه كما ذكره هذا القائل إشكالا و جوابا و هذا يناسب أطوار الصوفيّة و أغراضهم، فإنّ مناط الخلافة الإلهيّة عند هؤلاء باستجماع الكمالات و الاتّصاف بجميع أصناف صفات الملائكة و الجانّ و الحيوان، و عند الحكماء بالبرائة عن الشرور و النقائص من جهة العلم و العرفان.
و هذا لأنّ الحقيقة الواجبيّة عند الحكماء منزّهة عن صفات التشبيه كالسمع