تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٦ - فصل قوله تعالى و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك
و البصر و الكلام و غيرها، و عند هؤلاء متّصفة بها أيضا على وجه يليق بذاته، فكذلك حكم من ينوب عنه و يتوسّط بينه و بين الخلائق؛ فالملائكة يعرفون الحقّ الأول بما يغلب عليهم من صفات التسبيح و التقديس، فتسبيحهم في مقام العبوديّة «سبّوح قدّوس ربّ الملائكة و الروح»؛ و الأنبياء- صلوات اللّه عليهم- يعرفون الحقّ بما يظهر لهم من صفات التمجيد و التشبيه جميعا فذكرهم وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [١٠/ ١٠].
و معرفة الحكماء بحسب مقام العقل للّه تشبه معرفة الملائكة المجرّدين؛ و معرفة أكابر الصوفيّة له تعالى في مقام التابعة و الاقتباس من نور النبوّة تشبه معرفة الأنبياء الكاملين- سلام اللّه عليهم أجمعين- كلّ بحسب ما هو نصيبهم من شهود التجلّى الإلهي و الفيض الوجودي.
قال الشيخ العربي: «إذا تجلّى الحقّ تعالى في صورة مثاليّة او حسيّة ترده العقول المحجوبة بواسطة إنّها دائمة منزّهة للحقّ ببراهين عقليّة يواظب عليها، إذ المواظبة و المثابرة على الشيء يوجب إنكار ما وراه، و العقل و إن كان ينزّه الحقّ عن التشبيه فهو يشبهه في عين التنزيه بالمجرّدات و هو لا يشعر، و الحقّ تعالى منزّه عن التشبيه و التنزيه جميعا بحسب ذاته، و هو موصوف بهما في مراتب أسمائه و صفاته».
و قال أيضا: «و اعلم إنّ الردّ و الإنكار إنّما يقع في التجلّيات الإلهيّة، لأنّ الحقّ تارة يتجلّى بالصفات السلبيّة فيقبله العقول لأنّها منزّهة مسبّحة عما فيه شائبة التشبيه و النقصان، و ينكره كلّ من هو غير مجرد كالوهم و النفس المنطبعة و قواها، لأن من شأنهم إدراك الحقّ في مقام التشبيه و الصور الحسيّة، و تارة يتجلّى بالصفات الثبوتية فيقبله القلوب و النفوس المجرّدة لأنّها مشبّهة من حيث تعلّقها بالأجسام، و منزّهة باعتبار تجرّدها، و ينكره العقول المجرّدة لعدم إعطاء شأنها إيّاها، بل ينكر تلك الصفات أيضا بالأصالة.
و في هذا التجلّي قد يتجلّى بصور كماليّة كالسمع و البصر و الإدراك و غيرها