تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧٠ - الإشراق الثاني
و معرفة الآخرة و الجنّة و النار و عذاب القبر و الصراط و الميزان و الحساب، و معنى قوله: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [١٧/ ١٤] و معنى قوله: وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [٢٩/ ٦٤] و معنى «لقاء اللّه» و «النظر إلى وجهه الكريم» و معنى القرب منه و النزول في جواره، و معنى مرافقة الملأ الأعلى و مقارنة النبيّين، و معنى تفاوت الدرجات في الجنان حتى يرى بعضهم بعضا كما يرى الكواكب اللاتي في جوّ السماء- إلى غير ذلك مما يطول تفصيله».
ثمّ قال: «و أمّا علم المعاملة هو من علم أحوال القلب و معرفة ما يحمد و ما يذمّ من صفاته، و كيفيّة إزالة الذمائم و الأمراض منه حتى يزول عن مرآة القلب صداها و خبثها بقازورات الدنيا، و ترفع عنها الأغطية و الأغشية و تتّضح له جليّة الحقّ في الأمور التي تتعلّق بعلم المكاشفة اتّضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه.
و هذا ممكن في حقّ الإنسان، فالعلم بهذه المعاملة هو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، و المعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة كما إن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا، فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى إصلاح الدنيا و هذا بالإضافة إلى إصلاح الآخرة.
و لو سئل فقيه عن هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا، أو عن التوكّل، أو عن وجه الاحتراز عن الرئاء- لتوقّف فيه مع إنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة، و لو سألته عن اللعان و الظهار و السبق بالرمي و الرهانة لسرد عليك مجلّدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور و لا يحتاج إلى شيء منها، و إن احتيج لم يخل البلد عمّن يقوم بها، فلا يزال يتعب ليله و نهاره في حفظه و درسه و يغفل عمّا هو مهمّ نفسه في الدين، و إذا روجع فيه قال: «اشتغلت به لأنّه علم الدين و فرض الكفاية» فيلبّس على نفسه و على غيره في تعلّمه.