تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٩ - الإشراق الثاني
الثالثة ورع المتّقين، و هو ترك الحلال المحض الذي يخاف أداؤه إلى الحرام،
قال صلّى اللّه عليه و آله [١]: «لا يكون الرجل من المتّقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس»
و ذلك مثل التورّع عن أكل الشهوات خيفة من هيجان النشاط و البطر المؤدّي إلى المحظور.
الرابعة ورع الصدّيقين، و هو الإعراض عما سوى اللّه خوفا من صرف ساعة من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قرب عند اللّه.
فهذه الدرجات كلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الأول- و هو ورع الشهود و القضاة- فإذن جميع طرق الفقه يرتبط بالدنيا و من تعلّمه لا ليعمل- بل ليتقرّب بتعاطيها إلى اللّه فهو مجنون».
«فإن قلت: فصّل لي علم الآخرة تفصيلا يشير إلى تراجمه و إن لم يمكن استقصاء تفاصيله؟
فاعلم إنّه قسمان: علم مكاشفة، و علم معاملة.
أما الأول فهو علم الباطن و ذلك غاية العلوم، فقد قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة؛ و أدنى النصيب منه التصديق به و التسليم لأهله و أقلّ عقوبة من ينكره أنه لا يرزق منه شيئا، و هو علم التصدّيق به و مقرّبين- أعني علم المكاشفة- فهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهّره و تزكيته من صفاته المذمومة، و تنكشف من ذلك النور امور كان يسمع من قبل أسمائها و يتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فيتّضح إذ ذاك حتّى تحصل المعرفة بذات اللّه و أسمائه و بكلماته التامّات، و بأفعاله، و معنى الوحي، و معنى لفظ الملائكة و الشياطين و كيفيّة معادات الشياطين للإنسان، و كيفيّة ظهور الملك للأنبياء، و كيفيّة وصول الوحي إليهم، و معرفة ملكوت السموات و الأرض، و معرفة القلب؛ و كيفيّة تصادم جنود الملائكة و الشياطين فيه، و معرفة الفرق بين لمّة الملك و لمّة الشيطان
[١] الجامع الصغير (٢/ ٢٠٤): لا يبلغ العبد أن يكون من ...