تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٨ - إشراق نور قرآني طلع من أفق عالم رحماني كلام أهل التحقيق في القدر و أفعال العباد
لم يأتوا من أبوابها؛ فمسلك العلم و اليقين ليس كمسالك الظنّ و التخمين، و باب حقائق الايمان و معارف القرآن ليس باب تحصيل البراعة في التكلّم و البيان و لا يفي بذلك الإحاطة بالمشهورات و المتداولات، و حفظ ما يستحسنه جمهور الناس من المنقولات، بل بالتجرّد و الإخلاص و طول المهاجرة عن الخلق، و اليأس عمّا في أيديهم، و الخلوة مع اللّه بالذكر القلبي، و الفكر اللطيف، و دوام الصحبة مع أنوار القرآن، و كثرة التشوّق إلى عالم الملكوت، و التماس الاطلاع على غرائب أسرار الايمان.
فإذا بقي الإنسان على مثل هذه الحالات فيوشك أن يأتيه أنوار متتالية عقليّة أشرقت على قلبه من سماء الملكوت ٨، و لوامع متواردة طلعت عليه من أفق الجبروت فينكشف له بها جملة من خبايا حقائق أنوار الايمان- كثرت او قلّت- و اطّلع على طائفة من خفايا أسرار العلم و العرفان- نقصت او كملت.
و اعلم إن كلام أهل الحقيقة في هذا المقام بلغ منتهاه، و أقدام أرباب البصيرة و الكشف رسخت في مستقرّه و مرتقاه، و كان نصيبهم فيه من الكأس الأوفى و القدح المعلّى، فشربوا من برد عين اليقين، و أفاضوا جرعه للعطاش السالكين.
فقالوا- كما وقعت الإشارة إليه: ان اللّه تعالى متجلّ للخلق بجميع صفات كماله و أسمائه، و مفيض على عباده و عوالمه بكل نعوت جماله و جلاله، فأول ما تجلى تجلى في ذاته لذاته فظهر من تجليه عالم أسمائه و صفاته ٩، فهي أول حجب الأحديّة؛ ثمّ تجلّى بها على عالم الجبروت، فحصلت من تجلّيه أنوار عقليّة ١٠ و ملائكة مهيميّة قدسيّة و هي سرادقات جبروته؛ ثمّ تجلّى ١١ من خلف حجب تلك الأنوار على عالم الملكوت الأعلى ١٢ و الأسفل، ثمّ على أشباحها الغيبيّة و المثاليّة، ثمّ على عالم الطبيعية السماويّة و الأرضيّة.
و لكل من هذه العوالم و الحضرات منازل و طبقات متفاوتة و كلّما وقع النزول