تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٣ - ما هو«عهد الله»؟
غريبة الجأتها عن مفارقة عالم القدس و الطهارة، و إقليم الخير و السعادة إلى هذا المهوى الذي هو منبع الشرور و الآلام، و معرض الأمراض و الهموم و الأعدام.
و حمل بعضهم الأرواح و الأجسام المذكورتين في الحديث المذكور على الأرواح الكليّة و الأجرام الكليّة، و نحن قد عملنا في شرح هذا الحديث و تعيين المذكور فيه على كلتا الروايتين رسالة على حدة [١].
و ثالثها قول المحقّقين من أهل التوحيد- و هو إنّ الخطاب بقوله تعالى:
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ في أخذ الميثاق كان لحقيقة الإنسان ٣٦ الموجودة في العالم الإلهي و الصقع الربوبي، فإنّ لكل نوع طبيعيّ حقيقة عقليّة و صورة مفارقة و مثالا نوريّا في عالم الحقائق العقليّة و المثل الإلهيّة هي صور ما في علم اللّه عند الحكماء الربّانييّن و العرفاء الأقدمين، و هم كانوا يسمّونها بأرباب الأنواع، زعما منهم إنّ كلّا منها ملك موكّل بإذن اللّه يحفظ باقي أشخاص ذلك النوع الذي هو صورتها عند اللّه في عالم الصور المفارقة و المثل النوريّة العقليّة، و نسبته إليها نسبة الأصل إلى الفروع، و نسبة النور إلى الأظلال.
و الفرق بين الحقيقة الإنسانيّة و سائر الحقائق بأنّ كلّا منها مربوب اسم واحد من الأسماء الإلهيّة، و هذه الحقيقة مظهر الاسم «اللّه» المتضمّن لسائر الأسماء و مربوبه و بأن ليس لأفراد غيرها التنزّل عن المرتبة التي هي عليها و لا الترقّي من مقام إلى مقام حتى ينتهي إلى الحضرة الإلهيّة، بخلاف هذه الحقيقة الإنسانيّة المستعدّة بصورتها الكونيّة للخلافة الربّانية، و بصورتها العقليّة ٣٧ للوفاء ٣٨ بالميثاق في النهاية كما للقبول ٣٩ لأخذه و عقده في البداية.
و هذا مما هو محقّق عند القائلين بأنّ للإنسان صعودا و هبوطا بحسب تطوّره في الأطوار؛ ففي الهبوط نزل من عالم القدس و الجنّة بأمره تعالى، و قوله: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ [٢/ ٣٦] ٤٠ و في الصعود
[١] لم نعثر بعد على هذه الرسالة و قد ذكر في الرسائل المنسوبة إليه (ره) «رسالة في بدء وجود الإنسان» و قال في الذريعة «طبع مع بعض رسائله (ره)» و لكن ما رأيتها ايضا.