تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤١ - ما هو«عهد الله»؟
ترجع إلى قومك».
و «العهد» الموثق، و جاز استعماله في كلّ ما من شأنه أن يتعاهد و يتحفّظ به، كالوصايا و الأيمان و النذور و الأوقاف؛ و يقال للدار من حيث إنها يراعى بالرجوع إليها، و للتأريخ لأنّه يحفظ.
[ما هو «عهد اللّه»؟]
ثمّ اختلفوا في المقصود من هذا العهد على أقوال:
الأول: ما ركز في العقول من قوّة الاستعداد لإدراك الحجج القائمة الدالّة للعباد على صحّة توحيده و صدق رسوله. و هذا معنى قوله: وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [٧/ ١٧٢] و عليه يحمل قوله: أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [٢/ ٤٠].
الثاني: أن يعنى به ميثاقا أخذه من الناس و هم على صورة الذرّ و أخرجهم عن صلب آدم عليه السّلام كذلك، و هو معنى قوله: وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية [٧/ ١٧٢].
أقول: و هذا عند التحقيق راجع إلى الوجه الأول.
و الثالث أن يعنى به ما دلّ عليه بقوله: وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [٣٥/ ٤٢] فلما لم يفعلوا ما حلفوا عليه و لم يهتدوا فقد نقضوا عهدهم و ميثاقهم.
و هذا مرجوح، لاختصاصه بطائفة مخصوصة يرد عليهم الذم فيما التزموا باختيارهم من أنفسهم، بخلاف الأول، فإنّه عامّ في كل من ضلّ و كفر، و يلزمهم الذمّ لأنّهم نقضوا عهدا أبرمه اللّه تعالى و أحكمه بما أنزله من دلائل الآفاق و الأنفس و شواهد الكتب و الرسل بالحجج البيّنة مع ما أودع في العقول.