تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٣ - فصل تحقيق في الموت و الحيوة
و مع قطع النظر عن ذلك تمكّنهم من العلم بهما بحسب ما نصب اللّه لهم من الدلائل الموصلة إليه و كثرة شهادات المخبرين من الأنبياء و الأولياء عليهم السلام عنهما يجري مجرى علمهم في إزاحة العذر، سيّما و في الآية تنبيه على ما يدلّ على صحّتهما و هما أمران:
أحدهما إن اللّه لمّا قدر أن أحياهم أولا قدر أن يحييهم ثانيا، فإنّ إبداء الخلق ليس بأهون من إعادته ثانيا.
و ثانيهما إنه لو لم يكن للإنسان بقاء اخروي لكان وجود العقل فيه و القدرة على استخراج العلوم الحقيقية بالأنظار و التمكّن من كسب المعاني العقليّة المتعلقّة بمعرفة اللّه و ذاته و صفاته بالأفكار عبثا و هباء، و الحكيم لا يفعل العبث، و غاية المعرفة و العلم يمتنع أن يكون في هذا العالم، لأنّ كلّما يوجد في هذا العالم يكون من قبيل المحسوسات، و المحسوس- بما هو محسوس- لا يكون غاية للمعقول، ٦٦ لأنّ الغاية أبدا تكون أشرف من ذي الغاية.
فصل [تحقيق في الموت و الحيوة]
قيل: إنّ الخطاب كان إمّا مع الذين كفروا لما وصفهم اللّه بالكفر و سوء المقال و خبث الفعال، خاطبهم على طريقة الالتفات، و وبّخهم على كفرهم مع علمهم بحالهم المقتضية خلاف ذلك، و إمّا مع الطائفتين جميعا، فإنّه لما بيّن دلائل التوحيد و النبوّة و وعدهم على الايمان و أوعد على الكفر أكّد ذلك بأن عدّد عليهم النعم العامّة و الخاصّة و استقبح صدور الكفر منهم و استبعد عنهم مع تلك النعم العظيمة، فإنّ جلالة النعمة تقتضي زيادة الشكر، و بإزائها عظم العقوبة على عصيان المنعم، فمن هذا الموضع إلى قوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [٢/ ٤٠] في شرح النعم التي عمّت جميع المكلّفين، و في ضمنها ما يختصّ بالخواصّ.