تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٧ - إشراق نور قرآني طلع من أفق عالم رحماني كلام أهل التحقيق في القدر و أفعال العباد
و لكم أعداء ثلاثة يشوّشون عليكم هذه الوجوه الحسنة؟
أحدها: مسألة الداعي، و هي إنّ القادر على العلم و الجهل و الاهتداء و الضلال لم فعل أحدهما و لم يفعل الآخر؟
و ثانيها: مسألة العلم، و هو إنّ خلاف ما علمه اللّه في الأزل محال؛ فكما اعترفنا لكم بقوّة الذكاء و حسن الكلام فانصفوا أيضا و اعترفوا بأنّه لا وجه لكم عن هذين الوجهين، فإنّ التعامي و التغافل لا يليق بالعقلاء.
و ثالثها: إنّ فعل العبد لو كان باختياره لما فعل إلّا الذي أحبّه و أراده، لكن أحد لا يريد إلّا ٧ تحصيل العلم و الاهتداء، و يحترز كل الاحتراز عن الجهل و الضلال، ثمّ حصل عنه خلاف ما قرّره.
فإن قيل: اشتبه عليه الكفر بالايمان، و العلم بالجهل، فلذلك فعل ما فعل.
قلنا: ظنّه في الجهل- إنّه علم- إن كان باختياره أولا، فقد اختار الجهل و الخطأ لنفسه، و ذلك غير ممكن، و إن اشتبه عليه ذلك بسبب ظنّ آخر متقدم عليه لزم أن يكون قبل كلّ ظنّ ظنّ إلى لا نهاية- و هو محال.
إشراق نور قرآني طلع من أفق عالم رحماني [كلام أهل التحقيق في القدر و أفعال العباد]
اعلم يا حبيبي- أيّدك اللّه بنور تأييده و سدّدك بقوّة تسديده- إنّ الكلام من أهل الكلام قد بلغ إلى هذا المقام، و لم يبق لأحد من الجانبين لهم من السهام إلّا و رماه إلى الآخر طلبا للافحام، فتلاطم حينئذ أمواج بحري الجبر و القدر، و انكسرت سفائن البحث و النظر، و غرقت فيها أكثر العقول و الأفهام و ضاعت دون الفلاح بضاعة أفكار الأقوام، و لم ينجح و لم يتنقح هذا المبحث لاحد من المناظرين، و لم ينفتح هذا الباب المغلق بمفاتيح أنظار أولئك المتفكرين.
و ذلك لأنّهم سلكوا في طلب المقاصد لا على مسالكها، و دخلوا بيوتا علميّة