تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٣ - تأييد استبصارى الإنسان في دائرة النزول و الصعود
إن لم يعدلوا عن طريق الحقّ، و لم ينسلخوا عن الفطرة بإغواء الشياطين الطاغية، و إضلال النفوس المردة المردودة إلى أسفل سافلين.
فقد انكشف و تبيّن من تضاعيف هذه الأسرار اللطيفة إن السموات كانت مقدّمة على الأرض و ما فيها من وجه، و هي أيضا متأخّرة من وجه آخر.
و هذان الوجهان كما يجريان فيها بحسب مراتب الإنسان و بداياته و نهاياته كذلك يجريان فيها بحسب أنفسها، فإنّ لكل فلك صورة نفسانيّة ينبعث منها جوهر مادّتها و يبتدئ منها حركة جرمها بحسب استكمالاتها و تصوّراتها و تشوّقاتها، فلكل منها صورة نفسانيّة مشتاقة إلى جوهر كامل عقلي لا بدّ أن يصل إلى كمالها و غايتها، و إلّا لكان ما أودع اللّه فيها من التشوّق إليه و التوسّل به إلى تقرب الباري للكلّ جلّ شأنه هباء و عبثا- و اللّه منزّه عن فعل العبث و الجزاف.
فعلم من هذا سرّ كلامه أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [٢١/ ٣٠] فارتتاق كلّ منهما كان إبهامه و عمومه و قصور حاله و عدم امتيازه عن غيره في خاصّ أفعاله، و انفتاقه تحصّل ذاته و تقوّمه بنفسه و قيامه بخاصّ أفعاله و بلوغه إلى كماله اللائق بحاله.
تأييد استبصارى [الإنسان في دائرة النزول و الصعود]
إنّ في كلام سيّد الأولياء و خليفة الأنبياء، أمير المؤمنين و أخي خاتم النبيين- سلام اللّه عليهم و عليه و أخيه و أولاده أجمعين- ما يؤكد ما قررناه، و ينور ما صورناه، حيث
قال عليه السّلام في بعض خطبه مشيرا إلى الأكوان المتجددة في سلسلة العود، الراجعة إلى مبدئها الأعلى من المنزلة السفلى [١]:
«ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء و شقّ الأرجاء و سكائك الهواء، فأجرى [٢] ماء
[١] نهج البلاغة: الخطبة رقم ١.
[٢] نهج البلاغة: فأجرى فيها ماء ...