تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩ - فصل نظر في العلة الفاعلية
مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [٢٤/ ٤٣] لأنّ أسباب هذه الأمور منبعثة من عالم السماء.
و اعلم إنّ العلم بحقائق الموجودات بعضها فوق بعض، و كذا العلماء بحسبها ذوي درجات متفاضلة متعالية، كما قال تعالى: وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [١٢/ ٧٧] و قال: وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [٦/ ١٦٥].
مثاله إنّ الطبيعي و الحكيم قد يتشاركان في النظر في كثير من الأشياء؛ لكن الطبيعي يأخذ الأوسط في حجتّه من الطبيعة السارية في الأجسام بأمر اللّه، و الحكيم يأخذ العلّة من العالم العلوي و المفارق المحض و العلّة الغائيّة التي هي الخير الأعلى و العلّة القصوى للوجود، فالطبيعي يعطي برهانا لمّيا ما دامت المادّة القابلة و الطبيعة الفاعلة موجودتين، و الحكيم يعطى البرهان اللمّي مطلقا.
و بالجملة فإذا اعطى البرهان من الأسباب المقارنة، كان من العلم الأسفل، و إن اعطى من العلل المفارقة العالية كان من العلم الأعلى، و العلل المقارنة هي الهيولى و الصورة و العلل المفارقة هي الفاعل و الغاية.
و أمّا العارف المتألّه فنظره أدقّ و أبصر، و علمه أعلى و أشرف من جميع العلوم حيث يقع نظره في معرفة كلّ الأشياء إلى الحقّ الأول، و يأخذ علّة مقاصده و وسط براهينه من أسماء اللّه الحسنى و آياته الكبرى و ليس لغيرهم هذا الشأن و لا برهانهم هذا البرهان، و أكثر الناس مقصور النظر إمّا على عالم الشهادة كالظاهريين او على عالم الباطن كالباطنيين و كلاهما ينظران بالعين العوراء مثال ذلك العلم بمنشإ الرعد و البرق.
فالرعد هو الصوت الذي يسمع من السحاب كأنّ أجرام السحاب تصطدم و تضطرب و ترتعد إذا جذبها الريح فتصوّت عند ذلك من الارتعاد، و البرق: الذي يلمع من السحاب، من برق الشيء بريقا. و اللفظان مصدران في الأصل و لذلك لم يجمعا.