تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤ - المقدمة الرابعة
من يحذو حذوه، لأن الأنوار المحسوسة كلّها زائلة دائرة تنقص و تدثر عند عروض الشيب و الموت، ثمّ لم يبق لهم نور أصلا، لا نور الحواسّ لزوالها عند الموت، و لا نور الايمان و المعرفة، لعدم اكتسابهم له، فلا جرم تركوا في ظلمات الموت و الجهالة و غيرها كظلمة الكفر و ظلمة النفاق و ظلمة الضلال و ظلمة سخط اللّه و ظلمة يوم القيمة و ظلمة عذاب السرمد، كأنها ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، فلا يبصرون شيئا و سلبت قواهم و جوارحهم كلّها فلا سمع و لا نطق و لا بصر كما لا اذن و لا لسان و لا عين، فهم صمّ بكم عمي لا يرجعون، لأنّ الرجوع إلى الفطرة الاولى من الممتنعات و الممتنع لا يكون مقدورا أصلا.
فالآية مثل ضربه اللّه لمن آتاه ضربا من الهدى فأضاعه و لم يتوصّل به إلى نعيم الأبد و سعادة السرمد فبقي متحيّرا متحسّرا في ظلمة لا أوحش منها مسلوب الحواسّ و الآلات تقريرا و توضيحا لما تضمّنه الآية الاولى.
و يدخل تحت عمومه هؤلاء المنافقين و كلّ من آثر الضلالة على الهدى المجعول له بالفطرة الاولى، و يمكن أن يكون المراد من قوله فلمّا أضاءت ما حوله، إنّ الرجل المنافق قد يكون من أهل الوعظ و التذكير يستضيء بنور وعظه و تذكيره حواليه من المستمعين و هو نفسه لا ينتقع بما يقوله و لا يعمل به، كما قيل [١]: «مثل العالم بأمر اللّه غير العالم باللّه كمثل السراج يحرق نفسه و يضيء غيره» و
في الحديث عنه [٢]: إنّ اللّه يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر.
فهذا ما تيسّر لنا في فهم هذه الآية بفضل اللّه، و لنرجع إلى حلّ الألفاظ و ما ذكره المفسّرون إنشاء اللّه.
[١] راجع تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٩٧.
[٢] البخاري: كتاب القدر: ٨/ ٣٥٥.