تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣ - المقدمة الرابعة
و منها [١] أيضا ما يدلّ على أن النار في السماء كما ذكره المجاهد و الضحّاك في قوله تعالى وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ إنّ المراد هو الجنّة و النار، و كما
يروى في حديث المعراج أيضا [٢] إنّه صلّى اللّه عليه و آله رأى في السماء الدنيا مالكا خازن النار و فتح له طريقا من طرق النار لينظر إليها حتى ارتقى إليها من دخانها و شررها و ما عن يساره من الباب.
إذا تمهّدت هذه المقدّمات فنقول: إنّ اللّه تعالى أراد أن يكشف عن حال المنافقين الذين كانوا مشتغلين باكتساب الظواهر و الاغترار ببعض الآثار، و لم يباشر الايمان قلوبهم و اقتصروا على البحث و التكرار، و صرفوا كدّهم في الصرف و النحو و الأشعار و حفظ قوالب الأحاديث و الأخبار طلبا لحطام هذه الدار، و تقرّبا إلى السلاطين و الأشرار بحال من استوقد نارا و هي نار النفس الوقّادة التي تستوقد أولا من أشعّة المدارك الحسيّة المتنوّرة بنور الصور المحسوسة و هذه الأنوار الحسيّة التي تنفعل منها الحواسّ و تخرج بها من القوّة إلى الفعل أنوار حادثة متجدّدة زائلة عند فتور القوى و دثورها حين استيلاء المرض و الهرم عليها، و إنّما الفائدة فيها تنبّه النفس بصور هذه المدركات لتنتقل منها إلى إدراك صورها العقليّة و أنوارها المعنويّة الحاصلة في عالم الأنوار و بها تخرج قوّتها العاقلة إلى الفعل و تستسعد بالسعادة الاخرويّة.
فمن اقتصر حاله في استعمال هذه القوى لا لأجل تحصيل المعارف الإلهيّة و التنوّر بأنوار الدائمة فهو كمن استوقد نارا و استضاء ما حول نفسه بتلك النار، و هي القوى الحسّاسة و المحرّكة و حين أضاءت النار ما حوله من القوى و المدارك الخارجة عن ذاته قبل أن يبلغ أثر الضوء إلى نفسه، ذهب اللّه بنورهم أي بنوره و بنور
[١] الدر المنثور: ٦/ ١١١.
[٢] راجع تفسير القمي في تفسير الاية «سبحان الذي أسرى ...»