تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٥ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٣
و هو المختصّ بهذه الكرامة كما أثنى اللّه عليه بذلك: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى* ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى [٥٣/ ١٦- ١٧] فلمّا اختصّ بهذه الحريّة أكرم بهذه العبوديّة، و سمّي باسم العبد المطلق، كما قال: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [٥٣/ ١٠] و هو المقدّم في رتبة التشريف في التشّهد على الرسالة.
و إنّما ذكره في هذه الآية ب «عبدنا» لأنّه أمر في الآية المتقدّمة بالعبوديّة خالصة للّه بترك الأنداد و رفض الأحباب- من الدنيا و الهوى و النفس و شهواتها من المراتع الحيوانيّة و الملاذّ النفسانيّة- و ما صحّ لاحد من العالمين من العبودية الخالصة كما صحّ له صلّى اللّه عليه و آله، فذكره في هذا المعرض و سمّاه به و أضافه إلى ذاته تنبيها على منزلته فقال وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا أنعمنا على عبدنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله بحسن الطاعة و الخدمة و كمال العبودية و الاستعداد بإنعام الوحي و إنزال القرآن فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.
و إنما قيل: «نزّلنا»- على لفظ «التنزيل» دون «الإنزال»- لأنّ المراد نزوله على نهج التدريج و التنجيم، و هو الحريّ بمكان التحدّي، لأنّهم كانوا يقولون:
لو كان هذا من عند اللّه لم ينزل هكذا نجوما- سورة بعد سورة، و آيات غبّ آيات- على سنن أهل الخطابة و الشعر، حيث صدر عنهم و سنح ببالهم مضامين الأشعار و الخطب حسب ما عنّ لهم من الأحوال و تجدّد عليهم سوانح الحاجات، و لم يلق الناظم ديوان شعره دفعة، و لم يرم الخطيب مجموع خطبه و رسائله ضربة، كما حكى اللّه عنهم وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ثمّ بيّن الحكمة في ذلك بقوله: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [٢٥/ ٣٢].
و ذلك لأن اللّه بيّن حجّة نبيّه بأوضح وجه و آكده، فأزاح علّتهم و أدحض حجّتهم بأنّه إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل و تدريج فهاتوا بمثل نجم من نجومه، و قسم من أقسامه، و سورة من سوره، او آيات مفتريات.