تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٤ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٣
فلم يزدهم بيان النبي صلّى اللّه عليه و آله و إعجاز القرآن إلّا ريبا على ريب و خسارا على خسار؛ كما قال اللّه تعالى: وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [١٠/ ١٠١].
فلمّا أحجبوا عن مشاهدة أنوار الحبيب، و منعوا عن مطالعة آيات الكتاب أقام عليهم الحجّة البيّنة إعلاما لبعدهم عن المحجّة، و إيذانا بانحرافهم عن الصراط المستقيم، و تنكّبهم عن الطريق القويم، و أراهم كيف يتعرّفون ما أتى به عبده؛ أهو من عند اللّه- كما يدّعي- أم هو من عند نفسه- كما يدّعون.
و نفوس البشر- بما هي نفوس البشر- متماثلة و إنّما التفاوت و التفاضل بأمور اخرويّة فائضة عليها من اللّه، فلو كانت النبوّة كسبيّة، او كان القرآن ألفاظا تأليفيّة، لمّا عجزوا عن آخرهم عن اكتسابها و معارضته.
فأرشدهم إلى أن يجرّبوا أنفسهم و يمتحنوا أذواق طباعهم- و هم أبناء جنسه و اهل جلدته- هل يقدرون على الإتيان بمثل ما أتى به؟ و إن كانوا من مصاقع الخطباء من العرب العرباء- مع كثرتهم و إفراطهم في المضادّة و المضارّة، و تهالكهم على المعازّة و المعارّة؛ فعرّفهم ما يتعرف به اعجازه، و يتيقّن إنّه من عند اللّه كما يدّعيه عبده.
و إنّما سمّاه «عبدا» مطلقا مقيّدا ب «ه» و لم يسمّ غيره من الأنبياء عليهم السّلام إلّا بالعبد المقيّد المقرون باسمه- كما قال: وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ [٣٨/ ٤١] وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ [٣٨/ ١٧] و غيرهما- و ذلك لأنّ كمال العبوديّة ما تهيّأ لأحد من العالمين إلا لحبيبه- صلوات اللّه عليه و آله- لأنّه يحصل في كمال الحريّة عما سوى اللّه بقطع منازل الخلق و الأمر كلها و طيّ معارج الملك و الملكوت، و الخروج عن مكامن أطوار الإنيّة و مطاوي أستار الأنانيّة إلى فضاء مشاهدة الأحديّة و عرصة القيامة اللاهوتيّة.