تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠ - المقدمة الرابعة
المقدّمة الرابعة:
ان الوجودات الفائضة من الحقّ بعضها من عالم النور، و بعضها من عالم النار، و بعضها من عالم الظلمة و الدخان.
أمّا التي هي من عالم النور فهي العقول القادسة و النفوس الزكيّة، و الملائكة العلويّة، و الأخيار من الجنّ.
و أمّا التي هي من عالم النار فهي النفوس الخبيثة و الشياطين و الأشرار من الجنّ.
و أمّا عالم الظلمة و الدخان فهي موادّ هذا العالم من الأفلاك و لهذا قال تعالى:
يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ [٤٤/ ١٠] و قال: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ [٤١/ ١١] و قال: وَ الْفَجْرِ وَ لَيالٍ عَشْرٍ [٨٩/ ١] إشارة إلى موادّ الأفلاك التسع و مادّة العناصر. و قال: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً [١٠/ ٥] و قال:
وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [٦٧/ ٥] فلو لا ضوء الشمس و نور القمر و مصابيح الكواكب لكان هذا العالم في ظلمة محضة لا أوحش منها.
فاستنار هذا العالم بتلك الأنوار الحسيّة المتعلّقة، و أمّا عالم الآخرة فلا يمكن أن يستنير بشيء من هذه الأنوار الحسيّة، بل لا بدّ في استنارتها من نور آخر من ضروب الأنوار المعنويّة:
إما العلميّة فكما للمقربين. و إمّا العمليّة فكما لأصحاب اليمين. كما قال تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ [٥٧/ ١٢] و قال: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [٥٧/ ١٣].
و أمّا عالم النار فليست ناره من جنس هذه النار التي في الدنيا، فإنّ هذه ليست نارا محضة بل نارا مع مادّة مقداريّة كالحطب و نحوه و مع هيئة نوريّة حسيّة و وضع و شكل محسوسين، و أمّا النار المحضة، فلا يكون معها هذا الصفاء و الإشراق و التلألؤ و اللمعان فإنّ هذه كلّها مسلوبة عن نار جهنّم، بل هي سوداء مظلمة كما ورد في الخبر [١].
[١] راجع الترغيب و الترهيب للمنذري: ٦/ ٢٤١.