تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٤ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٩
قوله جل اسمه: [سورة البقرة (٢): آية ٢٩]
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)
هذه الآية من أعظم الدلائل على شرف الإنسان، و من أقوى الوسائل إلى معرفة الرحمن. أما دلالتها على شرفه فبوجهين:
أحدهما ما وجّهه المفسّرون؛ و هو إنّها بيان لنعمة اخرى بعد النعمة الأولى مرتّبة عليها، فإنّ الاولى كانت خلقهم أحياء قادرين مرّة بعد اخرى، و هذه خلق ما يتوقّف عليه بقاؤهم النوعي بعد الشخصي و يتمّ به معاشهم المبتني عليه معادهم.
و ما أحسن رعاية هذا الترتيب منه تعالى، فإن الانتفاع بالأرض و السماء و ما في كلّ منهما إنّما يكون بعد حصول الحيوة، فلهذا ذكر اللّه أمر الحيوة أولا، ثمّ أردفه بذكر الأرض و السماء.
و قوله لَكُمْ يدلّ على أنّ المذكور بعد قوله خَلَقَ لأجل انتفاعنا في الدين و الدنيا، أمّا في الدنيا فلمصالح أبداننا و لنتقوّي على الطاعات، و أمّا في الدين فللتفكّر فيها و التدبّر في آيات الأرض و السماء و عجائب فطرة اللّه فيهما، فهذا دالّ على فضيلة الإنسان حيث خلق اللّه لأجل انتفاعه جميع ما في الأرض و السماء، كما قال: سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ [٣١/ ٢٠].