تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٦ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٩
صدر عنه أولا و بالذات أو فعله المطلق، فإنّ ما هو أحد هذين، فالفاعل و الغاية فيه ذاته الأحديّة الصمديّة، و أمّا فعله الذي صدر بعد ذلك فهو معلّل بغرض، و هكذا لكلّ فعل ذي غرض غرض، حتى ينتهي الدواعي و الاغراض و الغايات إلى غاية لا غاية له، و داع لا داعي له، و هو ذاته الذي هو غاية الغايات، و منتهى الدواعي و الرغبات.
فالتراب- مثلا- فعل من أفاعيله الصادر عنه باستخدام فاعل طبيعيّ يسمّى الطبيعة الأرضيّة، و هي ملك من ملائكة التسخير يستخدمه فاعل فوقه يسمّى ملك الأرض، و هو ملك من ملائكة التدبير، و فوقه ملك آخر من ملائكة الإفاضة و التنوير اسمه قابض الأرواح، و هو تحت اسمه تعالى «القابض» و لكلّ منها في فعله غاية فوقه، حتّى ينتهي إلى اللّه تعالى.
و هذه الغايات و الأغراض هي التي فوق الأكوان. و أمّا التي تكون تحت الأكوان، فغاية التراب و الغرض من خلقه أولا هو المركبات الأرضيّة كالمعدنيّة، ثمّ البذور و قواها النباتيّة، ثمّ النطف و الأغذية، ثمّ الأخلاط الدمويّة، ثمّ الأمشاج و الأعضاء اللحميّة، ثمّ الأرواح البخاريّة، ثمّ النفوس الحيوانيّة، ثمّ الغرض منها الأرواح الانسيّة الصاعدة إلى الدرجات السماويّة، و الغرض منها معرفة اللّه و الانقطاع عن العوالم بالكلّية و الاتّصال إلى الحضرة الأحديّة.
فبهذا المعنى صحّ أن يقال إن لأفعاله تعالى أغراض عائدة إليه، بشرط أن يدرك تحقيقه على وجه لا يؤدّي إلى انثلام قاعدة التوحيد و التنزيه، بل يتحفّظ قاعدة «إنّ العالي لا ينفعل عن منفعله، و لا يستكمل الفاعل من فعله».
و من لم يهتد إلى هذا التصوير و لم يتنوّر باطنه بهذا التنوير تكلّم في هذا «اللّام» و التي في قوله: جَعَلَ لَكُمُ [٢/ ٢٢] و التي في قوله: لِتَهْتَدُوا [٦/ ٩٧] و في قوله لِيَعْبُدُونِ [٥١/ ٥٦] و نظائرها الكثيرة في القرآن، فقالوا «إنّه تعالى لمّا فعل لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض، لا جرم أطلق اللّه تعالى لفظ الغرض بسبب هذه المشابهة».