تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٧ - فصل
اهتدائها إلى بناء مسكنها، و في حذقها في هندسة بيتها، و في جمعها الغذاء، و ادّخارها لنفسها، و في إلفها لزوجها و حزمها و احتياطها في خصائص أمورها و حاجاتها.
فترى العنكبوت يبني بيتها على طرف، فيطلب أولا موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونه، حتى يمكنه أن يصل بالخيط بين طرفيه، ثمّ يبتدي فيلقي اللعاب الذي هو خيطه إلى جانب فيلتصق به، فيعدو إلى الجانب الآخر، فيحكم الطرف الآخر من الخيط، ثمّ يحكم كذلك ثانيا و ثالثا و يجعل بينهما تناسبا هندسيا، حتى إذا أحكم معاقد القمط و رتّب الخيوط كاللحمة اشتغل بالتسدية، فيضيف السدي إلى اللحمة و يحكم العقد على موضع التقاء السدي باللحمة، و يرعي في جميع ذلك تناسب الهندسة، و يجعل ذلك شبكة يقع فيها البقّ و الذباب، و يقعد في زاوية مترصّدا لوقوع الصيد في الشبكة فإذا وقع بادر إلى أخذه و أكله.
فإن عجز عن الصيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط، و وصل بين طرفيها بخيط، ثمّ علّق نفسه منها بخيط آخر، و بقي متمسّكا في الهواء ينتظر ذبابة تطير، فإذا طار ذباب رمى نفسه إليه فأخذه و لفّ خيطه على رجله و أحكمه ثمّ أكله.
أفترى إن العنكبوت يعلم هذه الصنعة من نفسه و حدسه، أو علّمه آدمي، أو لا هادي له و لا معلّم؟! أ فيشكّ ذو بصيرة إنّه مسكين عاجز من الفكر؟! و كذا النحل و عجائب الحكمة في بناء بيوته أكثر، و ما من حيوان صغير إلّا و فيه من هذه العجائب ممّا لا يحصى.
و ذكر في الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجلّيها للبصر الحادّ إلّا تحرّكها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثمّ إذا لوّحت لها بيدك حادت عنها و تجنّبت مضرّتها؛ أفلا يشهد هذا الحيوان الضعيف بهويّته و شكله و صورته و هدايته و عجائب صنعه لعناية الباري و تعلّق رحمته و إحسانه به؟!