تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٩ - فصل الحياء و كيفية نسبته إلى الله تعالى
قال القفّال [١]: «الكلّ محتمل، أمّا اليهود فلما في آخر هذه الآية وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ و هذه صفتهم كما دلّت عليه قصّتهم؛ و أمّا الكفّار و المنافقون فقد ذكر في المدثّر: وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا الآية [٧٤/ ٣١] و هما المشار إليهما لأنّ السورة مكيّة، فقد جمع الفريقان، فإذا ثبت هذا فالكلّ محتمل في هذه الآية، لأن الثلاثة كانوا متوافقين في إيذاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قد مضى في هذه السورة إلى هاهنا ذكر الثلاثة جميعا».
ثمّ قال القفّال: «و قد يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب، لأن معناه مفيد في نفسه».
فصل [الحياء و كيفيّة نسبته إلى اللّه تعالى]
«الحياء» صفة انفعاليّة تعتري الإنسان تنقبض معها النفس عن ظهور ما يشبه القبيح عند طائفة مخافة أن يعاب به و يذمّ- و إن لم يكن قبيحا في نفسه- و هو من الصفات المحمودة في الإنسان لتوسّطه بين طرفين مذمومين- و هما الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح، و الخجل الذي هو قصور النفس و انحصارها عن الفعل الحسن-.
و اشتقاقه من «الحياة» لأنّه انكسار للقوّة الحيوانيّة، فيمنعها عن أفعالها، فيقال «حيي الرجل» أي: انكسرت نفسه، كما يقال: «حشى الحيوان و نسى» [٢] إذا اعتلّت حشاه و نساه.
و اعلم إنّ كلّ صفة تتّصف بها نفس الآدميّين بمشاركة البدن فهي مذمومة في الحقيقة، كالشهوة و الغضب، و الإحساس و التحريك، و الأكل و الشرب، و الضحك
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٤٩.
[٢] النسي: عرق من الورك إلى الكعب.