تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٠ - فصل الحياء و كيفية نسبته إلى الله تعالى
و البكاء، و الخجل و الوجل و الحياء، لأن جميعها مما يعتريها النقص و الفساد لأجل التضادّ، إلّا أنّ المتوسّطة منها بين أطراف هذه الأوصاف و الحالات- كالعفّة و الشجاعة و الحياء- لمّا كانت بمنزلة الخالي عنها- كالماء الفاتر بين الحارّ و البارد يقال له: لا حارّ و لا بارد. و هو بعد غير خارج عن جنس الأضداد، بل له حصّة من كلّ منهما- عدّت محمودة لأنّها شبيهة بالقوّة، غير مقتضية لاشتغال النفس بها و انكبابها عليها، فإنّ النفس كلّما لم تنفعل عن موجبات القوى و دواعيها فهي أقهر على قمعها باكتساب الهيئة الاستعلائيّة عليهما بها يسهل لها الانقطاع عن هذا العالم، و الاتّصال بأجنحة الكروبيّين.
فقد علم إنّ الحياء و ما يجرى مجراه من الصفات ليس من الكمالات الحقيقيّة للنفس- فضلا عمّا فوقها- و إله الكلّ أحقّ بأن ينزّه عمّا يوجب الانفعال و الانقهار و هو الواحد القهّار.
و لكنّه
قد ورد في الأحاديث [١] عن سلمان الفارسي- رضي اللّه عنه- عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إنّ اللّه حييّ كريم يستحيي إذا رفع العبد و إليه يديه أن يردهما صفرا حتّى يضع فيهما خيرا»
و
قد جاء في الحديث أيضا [٢]: «إنّ اللّه يستحيى من ذي الشيبة المسلم أن يعذّبه»
فلا بدّ فيه من تأويل؛ و قيل فيه و جهان:
أحدهما- و هو القانون في أمثال ذلك- و هو أن يراد بها نفي المقابلات لتلك الصفات و مباديها، أو اثبات الغايات لها بدون تلك المبادي، فإنّ كلّ صفة محمودة تثبت للنفس الإنسانيّة بمشاركة الجسم فلها مبدأ انفعالي و غاية فعليّة و أضداد قبيحة.
فالحياء- مثلا- حالة و صفة عارضة للإنسان، و لكن لها مبدأ و منتهى و ضدّ:
أمّا المبدأ فهو التغيّر النفساني و الانفعال الجسماني الذي يعتريه من خوف أن ينسب
[١] الجامع الصغير: ١/ ٧٠.
[٢] جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم (٢/ ٣٨٧) باختلاف في اللفظ.