تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٠ - توضيح برهاني شرف العلم و تأثر النفوس من العقل الفعال
فنسبته إلى المعقولات نسبة الشمس إلى المبصرات؛ و فعله في عقلنا المنفعل فعل الشمس في القوّة الباصرة، فلذلك سمّي عند الأوائل من الحكماء بالعقل الفعّال، و حصوله للإنسان هو السعادة التي بها يصير الإنسان من الكمال الوجودي إلى حيث يكون منزلته منزلة الملائكة المقرّبين الذين هم الصفّ الأعلى من الملكوت.
و ذلك أن يصير في جملة الأشياء البريئة عن الموادّ و الأجسام، و عن إضافاتها و تعلّقاتها الانفعاليّة في سعادة لا انقطاع لها و لا تجدّد يعتريها، و مثل هذه النفس الصائرة عقلا بالفعل كانت ملكا بالقوّة، فصارت ملكا بالفعل، و إليه أشير في قوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [١٦/ ٢] و قوله: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [٥٨/ ٢٢].
و كما إنّ البدن بلا روح ميّت فاسد، فكذلك الروح بلا علم هالك معذّب، و نظيره قوله تعالى: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [٤٢/ ٥٢] فالعلم روح الروح، و نور النور، و لبّ اللبّ.
ثمّ إنّ الذي يدركه العالم و يشاهده من التصوّرات الكليّة من خواصّها أن يكون باللّه آمنة من التغيّر و الفناء، لا يتطرّق إليها الزوال و الفساد، لكونها غير متغيّرة في أنفسها و لا واقعة في عالم التجدّد- إلّا بالعرض- فإذا كانت صفات العالم غير متغيّرة فذاته أولى باستحالة الدثور و الفساد، و إنّما يجوز له الفناء إلى البقاء الذي يستهلك فيه كلّ شيء، و يعود إليه حيوة كلّ حيّ، و يبطل في نوره كلّ ظلّ و فيء.
و أيضا فالأنبياء- صلوات اللّه عليهم- ما بعثوا إلّا للدعوة إلى الحقّ و معرفته، قال اللّه تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الآية [١٦/ ١٢٥] و قال قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي [١٢/ ١٠٨].
ثمّ انظر و خذ من أول الأنبياء عليهم السّلام، فإنّه تعالى لمّا قال: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فلمّا قالت الملائكة أَ تَجْعَلُ فِيها قال تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ