تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤١ - توضيح برهاني شرف العلم و تأثر النفوس من العقل الفعال
ما لا تَعْلَمُونَ فأجابهم بكونه عالما؛ فلم يجعل سائر الصفات جوابا لهم و موجبا لسكوتهم؛ و ذلك يدلّ على أن سائر الصفات- كالقدرة و أمثالها- و إن كانت بأسرها في نهاية الشرف إلّا أن صفة العلم أشرف من غيره.
ثمّ إنّه تعالى لما أظهر علمه جعله مسجودا للملائكة، و خليفة للعالم السفلى، و ذلك يدلّ على أن تلك المنقبة إنّما استحقّها آدم عليه السّلام بالعلم.
ثمّ إنّ الملائكة افتخرت بالتسبيح و التقديس، فأظهر اللّه تعالى علم الآدم بالأسماء في مقابلة تسبيحهم و تقديسهم، مع إن التسبيح و التقديس أيضا من بركات العلم، و إلّا لكان إمّا نفاقا- و النفاق من أخسّ المراتب لقوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [٤/ ١٤٥]- أو تقليدا- و هو مذموم لا يوجب الافتخار.
فثبت إنّ فضيلة آدم عليهم إنّما كان بعلمه بسائر الأشياء الكليّة و الجزئيّة التي لم يكن من شأنهم الإحاطة بها جميعا، لانحصارهم في مقام واحد معلوم.
ثمّ انظر إلى ابراهيم- على نبيّنا و آله و عليه السّلام- كيف اشتغل في أول أمره بطلب العلم، منتقلا بفكره من ملاحظة أحوال السماويّات و الانتقال من بعضها إلى بعض، حتى انتقل من الأنوار الكوكبيّة الحسيّة إلى النفسيّة القمريّة، و منها إلى الأضواء العقليّة الشمسيّة- إلى أن وصل بالدليل الباهر و البرهان النيّر الزاهر إلى المقصود الأصلي، و الدين الحنيفي، و أعرض عن الشرك لقوله: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٦/ ٧٩].
ثمّ إنّه بعد الفراغ من معرفة المبدإ اشتغل بمعرفة المعاد، كما قال تعالى:
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [٢/ ٢٦٠].
ثمّ لمّا فرغ من العلم اشتغل بالمحاجّة و التعليم: تارة مع أبيه لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ [١٩/ ٤٢] و تارة مع قومه ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ [٢١/ ٥٢] و اخرى مع ملك زمانه أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ الآية [٢/ ٢٥٨] و قوله أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ و تارة كان مع اللّه فانيا