تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦١ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٥
و أمّا العلم بثبوت أحوالها عرفانا و كشفا فيحتاج إلى إحكام طريق المتابعة و تأكيد الإخلاص في اقتباس أنوار النبوّة من مشكوة القرآن و الحديث بالعبوديّة التامّة و التدبّر في آيات السموات و الأرض و غاياتها، و عواقب المكوّنات و نهاياتها، و الإطّلاع على أحوال النفس الإنسانيّة و تطوّراتها في الحالات، و تقلّباتها في النشآت.
ثمّ إنّه تعالى ذكر مسألة المعاد في آيات لا تحصى لصعوبة فهمها على الأفهام، و كثرة الشبه و الشكوك الواردة فيها من الأوهام، و ذكر إثباتها على وجوه مختلفة:
فتارة ذكرها بعد حكاية إنكار المنكرين للحشر و النشر و حكم بأنّه واقع كائن من غير ذكر الدليل، لجواز إثبات ما [لا] يتوقّف اثبات النبوّة عليه بالدليل النقلي و الاعتقاد بهذه المسألة على وجه تكلّف به جمهور الخلق، و يكفي لصحّة العمل من هذا القبيل، فجاز إثباتها بالنقل.
مثاله ما حكم هاهنا بإثبات النار للكفّار و الجنّة للأبرار، و ما أقام عليه دليلا، بل اكتفى بالدعوى، و إن كانت فيه إشارة لأهل الإستبصار إلى أنوار الهداية لأسباب وجود الجنّة و النار و كيفيّة نشؤهما في الآخرة من الأعمال و النيّات، فإنّ «تعليق الحكم بالوصف مشعر بالسببيّة».
فالبصير المحدق و العارف المحقّق يبصر و يعرف بنور بصيرته و عين عرفانه إنّ جحود الجاحدين للحقّ بعد وضوحه، و ريب المنكرين للقرآن عند سطوع نوره و إشراقه و ايقادهم نار الفتنة و العداوة بحرقة في صدورهم و قساوة في قلوبهم يذهب بهم طريق الأشرار، و يسلك بهم عن سبيل الأبرار. و يعذّبهم في الآخرة بعذاب الكفّار، و يجعلهم بقلوبهم و جلودهم وقود النار التي كمنت فيهم أولّا في حياتهم الدنيا ثمّ قويت شيئا فشيئا بإذابة موادّ كبريت الشهوات و إضافة قوّة نار الحسد و ضرام العداوة و البغضاء إلى يوم القيامة، فتبرز غاية البروز و تشتعل بهم غاية الاشتعال،