تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٤ - طريق آخر
خسيس الهمّة، ميّت القلب، شديد البهيميّة اختار الهريسة و الحلاوة؛ و إن كان عالي الهمّة، كامل العقل اختار الرياسة و هان عليه الجوع و الصبر عن ضرورة القوت أيّاما كثيرة.
نعم- الناقص الذي لم يكمل معانية الباطنيّة كالصبي، أو الذي ماتت قواه الباطنيّة كالمجنون و المعتوه لا يبعد أن يؤثر لذّة المطعومات على لذّة الرياسة و الكرامة و بهذا يتبيّن إنّ العلم باللّه و أسمائه و ملائكته و كتبه و رسله و تدبيره من منتهى عرشه إلى تخوم الأرضين أقوى اللذّات و السعادات، و أعلى الابتهاجات على من جاوز نقصان الفطرة و الصبى، و قصور الخليقة. و إنّ لذّة مطالعة جمال الحضرة الالهية و النظر إلى أسرار الأمور الربّانيّة ألذّ من كلّ حكومة و رياسة، و من كلّ شهوة و انتقام.
و لا يمكن فهم هذه اللذّة لغير الحكماء الراسخين؛ و غاية العبارة عنها أن يقال كما قال اللّه [تعالى]: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [٣٢/ ١٧]
«و انه أعد لهم ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر». [١]
و هذا ممّا لا يعرفه الآن إلّا من ذاق اللذّتين جميعا- أي لذّة الرياسة- و هي فوق اللذّات الحيوانيّة- و لذّة المعرفة الإلهيّة. فإنّه لا محالة يؤثر التبتّل و التفرّد، و الفكر و الذكر، و ينغمس في بحار المعرفة؛ و يترك الرياسة و يستحقر الخلق الذي يرأسهم، لعلمه بفناء رياسته و فناء من عليه رياسته؛ و كونه مشوبا بالكدورات التي لا يتصوّر الخلوّ عنها، و كونه مقطوعا بالموت الذي لا بدّ من إثباته مهما أخذت زخرفها و ازّيّنت و ظن أهلها إنّهم قادرون عليها.
فيشغله لذّة معرفة اللّه تعالى و مطالعة صفاته و أفعاله و نظام مملكته من أعلى عليّين إلى أسفل سافلين، فإنّها خالية عن المتزاحمات و المكدّرات، متّسعة للمتواردين عليها لا يضيق عنهم بكثرتها، و إنّما عرضها من حيث التقدير السماوات و الأرضين.
[١] ابن ماجة: كتاب الزهد، باب صفة الجنة: ٢/ ١٤٤٧.