تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٦ - فصل
فصل
و أمّا العرب فقد اشتهر منهم التمثيل بالمحقّرات و بأحقر الأشياء، فقالوا:
فلان أسمع من قراد [١]، و أطيش من فراشة [٢]، و أعزّ من مخّ البعوضة، و أطير من جرادة و أفسد منها، و أجرء من الذباب، و ألجّ منه، و أشبه به منه [٣] و أجمع من الذرّة، و أضبط منها.
و مثّلوا أيضا بما لا شيء أصغر منه كالجزء الذي لا يتجزّى، و بما لا يدرك لتناهيه في الصغر إلّا اللطيف الخبير، او بالمعدوم- و هو أخسّ من كلّ شيء لأنّه لا شيء محض- فقالوا: «هذا أصغر مقدارا من الجزء الذي لا يتجزّى» و «هذا أقلّ من اللاشيء في العدد».
و أمّا العجم فكتاب كليله و دمنة و أشباهه شاهدة على ذلك، و في بعضها:
«قالت البعوضة و قد وقعت على نخلة عظيمة عالية و أرادت أن تطير عنها: يا هذه- استمسكي، فإنّي أريد أن أطير. فقالت النخلة: و اللّه ما شعرت بوقوعك، فكيف أشعر بطيرانك»؟! و العجب إن الجاهل المحجوج، و الغافل المبهوت لا يتعجّب من دقائق لطف اللّه و عناية و إحسانه في خلق البعوضة و العنكبوت، و جعل يتعجّب في التمثيل بها في الحقارة لشيء! أو لا يرى [٤] عجائب البقّة او النملة او النحل او العنكبوت في
[١] القراد: دويبة تتعلّق بالبعير و نحوه، يقال
لها بالفارسيّة: كنه. قال الميداني: إنه يسمع صوت أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرك
لها (مجمع الأمثال: ١/ ٣٤٩). تفسير القرآن الكريم ؛ ج٢ ؛ ص١٩٦
[٢] لأنها تلقى
نفسها في النار (مجمع الأمثال: ١/ ٤٣٨).
[٣] اي: أشبه بالذباب من الذباب.
[٤] راجع إحياء علوم الدين: ٤/ ٤٤١.