تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٧ - حكمة آدمية حقيقة الإنسان غيب السموات و الأرض و صورة علم الله تعالى
أو أكثر، ثمّ انسلخ و رجع إلى الحضرة بالحركة المعنويّة، فهو المبدأ و الغاية» انتهى كلامه.
و هاهنا سرّ آخر و هو إنّ الإنسان لمّا كان غاية سلسلة الأكوان و خليفة اللّه، لكونه أبدع ما في عالم الإمكان، فيكون علمه لمعة من نور علم اللّه، كما إنّ وجوده مرآة لشمس وجود اللّه، ففي قوله إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ بعد قوله فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ إيماء لطيف بأنّ آدم من شأنه أن يعلم غيب السموات و الأرض، و من شأنه أن يقول: «انّي أعلم ذلك» لا عطاء نشأته علم ذلك.
و كذا الكلام في قوله وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فإنّه لما أنبأ الملائكة بمعاني أسماء الموجودات العلويّة و السفليّة، و الظاهرة و الباطنة- لاحتواء نشأته الجمعيّة عليها- فكأن الحقّ سبحانه قال بلسانه هذا الكلام نظيره ما
ورد في الخبر: «إنّ اللّه سبحانه يقول بلسان عبده: سمع اللّه لمن حمده».
قال بعض أهل المكاشفة و التحقيق [١]: «لمّا شاء الحقّ سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى- التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها- و إن شئت قلت: أن يرى عينه- في كون جامع يحصر الأمر، لكونه متّصفا بالوجود، و يظهر به سرّه إليه» ... «و قد كان الحقّ أوجد العالم كلّه وجود شبح مسوّىّ لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوّة، و من شأن الحكم الإلهي إنّه ما سوّى محلّا إلّا و لا بدّ أن يقبل روحا إلهيا عبّر عنه بالنفخ فيه، و ما هو إلّا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسوّاة لقبول الفيض التجلّي [٢] الدائم الذي لم يزل و لا يزال و ما بقي ثمّة إلا قابل، و القابل لا يكون إلّا من فيضه الأقدس فالأمر كلّه منه ابتداؤه و إليه انتهاؤه، و إليه يرجع الأمر كلّه كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم [عليه السّلام] عين جلاء تلك المرآة
[١] فصوص الحكم لابن العربي: الفص الآدمي: ٤٨.
[٢] بعض نسخ المصدر: المتجلي.