تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٥ - حكمة آدمية حقيقة الإنسان غيب السموات و الأرض و صورة علم الله تعالى
و
قيل: روي إنّه تعالى لمّا خلق آدم عليه السّلام رأت الملائكة خلقا عجيبا، فقالوا:
«ليكن ما شاء، فلن يخلق ربّنا خلقا إلّا كنّا أكرم عليه منه» فهذا هو الذي كتموا.
و يجوز أن يكون هذا القول سرّا أسرّوه عن غيرهم بينهم فأبداه بعضهم لبعض و أسرّوه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء و كتمان [١].
حكمة آدميّة [حقيقة الإنسان غيب السموات و الأرض و صورة علم اللّه تعالى]
يحتمل أن يكون قوله: أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إشارة إلى حقيقة الإنسان الذي هو غاية وجود الأكوان ١٤٦ و ثمرة شجرة الأفلاك و الأركان، بل صفوة عالم الإمكان.
فإنّ سلسلة الموجودات كما هي مترتّبة من المبدأ الأول و ما يتلوه من الأنوار العقليّة القاهرة، ثمّ النفسيّة المدبّرة، ثمّ الطبائع العلويّة الفلكيّة و الكوكبيّة، و الصور النوعيّة العنصريّة على مراتبها في النزول من الأشرف فالأشرف إلى الأخسّ فالأخس- حتّى انتهت إلى ما لا أخسّ منه، و هي الهيولي الاولى و الهاوية القصوى- فكذلك هي مترتّبة في الترقّي من أدنى الوجود و أنزل المراتب إلى أعلاها، و من الأخسّ فالأخسّ إلى الأشرف فالأشرف على التكافؤ التعاكسي حتى ينتهي إلى ما هبط منه، و هو غاية الغايات و نهاية الوجودات- أعني الباري-.
فالوجود بمنزلة دائرة بلغت إلى حيث فارقت منه؛ فأقرب الموجودات الصادرة من المبدأ الأعلى في سلسلة الإيجاد هو العقول المقدّسة و الملائكة المهيّمة سيّما الأول منهم. و أقرب الموجودات إليه في سلسلة العود و الرجوع هم العقلاء الكاملون في الولاية و المعرفة، سيّما النبي الخاتم أشرف البريّة- صلوات اللّه عليه و آله- و هم السابقون علما و اللاحقون وجودا كما في العلّة الغائيّة.
[١] راجع تفصيل الأقوال و القائلين في الدر المنثور: ١/ ٤٩ و تفسير الطبري: ١/ ١٧٦.
تفسير القرآن الكريم ؛ ج٢ ؛ ص٣٦٦