تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٠ - تنبيه
اللبن، و الأرض تطعمك ألوانا من الأطعمة، ثمّ قال: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ [٢٠/ ٥٥] معناه: نردّكم إلى هذه الأمّ، و ليس هذا بوعيد، لأنّ المرء لا يتوعّد بامّه، و ذلك لأنّ مقامك من الامّ التي ولدتك أضيق من مقامك من الأرض ثمّ إنّك كنت في بطن الامّ تسعة أشهر و ما مسّك جوع و لا عطش، فكيف إذا دخلت بطن امّك الكبرى و لكن بشرط أن تدخل بطن الامّ الكبرى كما كنت في بطن الامّ الصغرى ما كانت لك زلّة- فضلا من أن تكون لك كبيرة بل كنت مطيعا للّه، فحيث دعاك مرّة بالخروج إلى الدنيا خرجت إليها بالرأس طاعة منك لربّك، و اليوم يدعوك سبعين مرّة إلى الصلوة فلا تجيبه برجلك.
فإذا تأمّل العاقل في هذه العجائب و الغرائب يسافر بعقله من هذه النشأة إلى باب مدبّر حكيم، و مقدّر عليم- إن كان ممّن يسمع بقلبه، و يبصر و يعي بعقله و يعتبر.
الإشراق الرابع: في بيان حكم اللّه تعالى و دلائل صنعه و قدرته في خلق السماء، و كونها بناء
«البناء» مصدر، سمّى به المبنيّ- بيتا كان او قبّة او خباء- و أبنية العرب أخبيتهم، و منه: «بنى بامرأته» لأنّهم إذا تزوّجوا ضربوا عليها خباء جديدا.
قال الجاحظ: «إذا تأمّلت هذا العالم وجدت كالبيت المعدّ فيه كل ما يحتاج إليه؛ فالسماء مرفوعة كالسقف، و الأرض ممدودة كالبساط، و النجوم منضودة كالمصابيح، و الإنسان كمالك البيت المتصرّف فيه بعقله و فكره، و ضروب النبات مهيّأة لمنافعه، و صنوف الحيوان منصرفة في منافعه فهذه جملة واضحة دالّة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل، و تقدير شامل».
تنبيه:
لمّا دريت إن تجدد الحوادث و الأبدان و تعاقب الأكوان في الأزمان لا بدّ له