تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٥ - فصل في العلم المحمود و العلم المذموم
- رضي اللّه عنهم- ليتّضح لكلّ ساع بقدر رزقه- لا بقدر جهده- لكن لاغناء فيه عن الاجتهاد، فالمجاهدة مفتاح الهداية.
و أما العلوم التي لا يحمد منه إلّا مقدار مخصوص فهي التي أوردت في فروض الكفايات، فكن أحد رجلين: إما مشغولا بنفسك، و إمّا متفرغا إلى غيرك بعد الفراغ من نفسك و ايّاك أن تشتغل بما تصلح به غيرك قبل إصلاح نفسك، فإن كنت المشغول بنفسك فلا تشتغل إلّا بالعلم الذي هو فرض عينك.
و إنّما الأهمّ الذي أهمله الكلّ علم صفات القلب و ما يحمد منها و ما يذمّ و الاشتغال بمداواته، و إهمال ذلك مع الاشتغال بالأعمال الظاهرة يضاهي الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذّي بالجرب و الدماميل، و التهاون بإخراج المادّة بالفصد و الإسهال، و حشويّة العلماء يشيرون بالأعمال الظاهرة، كما يشير الطرقيّة من الأطبّاء بطلاء ظاهر البدن، و علماء الآخرة لا يشيرون إلّا بتطهير الباطن و قطع موادّ الشر بإفساد منابتها و قطع مغارسها، و هي في القلب.
و إنّما فرغ الأكثرون إلى الأعمال الظاهرة عن تطهير القلوب لسهولة أعمال الجوارح و استصعاب أعمال القلوب؛ فإن كنت مريدا للآخرة و طالبا للنجاة فاشتغل بعلم العلل الباطنة و علاجها، ثمّ ينجرّ بك إلى المقامات المحمودة، فلا تشتغل بالفروض الكفايات- لا سيّما و في الخلق من قام به- فإنّ مهلك نفسه في طلب صلاح غيره سفيه، فما أشدّ حماقة من دخلت الأفاعي و العقارب داخل ثيابه و همّت بقتله و هو يطلب مذبّة يدفع بها الذباب عن غيره ممّن لا يغنيه و لا ينجيه بما يلاقيه من تلك الأفاعي و الحيّات و العقارب إذ هممن بقتله؟!»- و اللّه وليّ التوفيق.