تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٩ - فصل«و يفسدون في الأرض»
و الثاني هو عزل القوى عما خلقت لأجله و عدم استعمالها فيه، فيوجب تمكين الدواعي النفسانيّة و استيلاء الشهوة و الغضب، و غلبة الوهم على العقل، فيفسد في أرض البدن التي خلقت هي و قواها لأن يعبدوا اللّه فيها و أنابوا إليه.
و قوله: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ:
يعني: من فعل ذلك فهو الخاسر، و ذلك إمّا لأنّهم باعوا اللّذات العلى و السعادات القصوى الباقية بهذه اللّذات الخسيسة البدنيّة الفانية، أو لأنّ لكل أحد في الجنّة أهلا و منزلا، فان أطاع اللّه وجده، و إن عصاه ورثه المؤمنون، فذلك قوله إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [٣٩/ ١٥].
أو لأنّهم خسروا حسناتهم التي عملوها، و الآية في اليهود- و كانت لهم أعمال بحسب شريعتهم- و في المنافقين- و لهم أعمال ظاهرة عملوها رياء و اتّقاء للناس فحبط ما صنعوا و باطل ما كانوا يعملون.
قال القفّال: [١] الخاسر: اسم عامّ يقع على من عمل عملا لا يجزى عليه كالرجل إذا عنى نفسه و صرف وقته في أمر فلم يأت بنفع قيل: «خائب خاسر» لأنّه كمن أعطى شيئا و لم يأخذ بإزائه ما يقوم مقامه، فسمّى الكفار الذين يسعون في الحيوة الدنيا بالمعاصي: خاسرين، قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [١٠٣/ ٢- ٣] و قال: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [١٨/ ١٠٣].
أقول: اعلم إنّ أعظم الخسران خسران النفس، لأنّ وجدان كلّ شيء بعد وجدان الذات و بسببه، فإذا هلكت هلك عنها كل شيء كما في قوله: هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ [٦٩/ ٢٩].
و تحقيق ذلك إنّ الأفراد الإنسانيّة مشتركة في أنّ لكلّ منها نفس مدركة
[١] الفخر الرازي: ١/ ٣٦٦.