تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٩ - أبحاث لفظية
فكلّ ما نزل من السماء فقد نزل من السماء؛ و إن أريد بها «الفلك» فلأنّ أسباب حدوث الأمطار و غيرها إنما تنبعث من امور سماويّة و أنوار كوكبيّة تقع بحركاتها على مواضع من الأرض و البحار، فتثير الأجزاء اللطيفة من أعماق الأرض و أطراف البحر إلى جوّ الهواء، فيعقد هناك سحابا ماطرا.
و «من» الثانية للتبعيض، بدليل قوله تعالى: فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ [٣٥/ ٢٧] و لأن المكتنفين به- أعني «ماء» و «رزقا»- منكّران، و التنكير يفيد البعضيّة، فكأنّه قال: «و أنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات، ليكون بعض رزقكم» و الواقع هكذا، إذ لم ينزل من السماء كلّ الماء، و لا أخرج بالمطر كل الثمر، و لا جعل الثمرات كل أنحاء المرزوق- فإن من الرزق ما هو غيرها.
و يحتمل التبيين، و يكون «رزقا» مفعولا بمعنى «المرزوق» كقولك: «أنفقت من الدراهم ألفا» و على الأول كان مصدرا انتصابه بأنّه مفعول له.
و إنّما لم يقل: «الثمر» و «الثمار»- جمع الكسرة- و الموضع موضعها تنبيها على قلّة ثمار الدنيا و اشعارا بتعظيم نعيم الآخرة، أو إنّه أراد بالثمرة جماعة الثمرة، كما في قولك: «أدركت ثمرة بستانه» و يؤيّده قراءة من قرء «الثمرة»- على التوحيد- أو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض، كقوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ [٤٤/ ٢٥] و قوله: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [٢/ ٢٢٨]. أو لأنّه لمّا كانت محلّاة باللام أفادت الكثرة و خرجت عن حدّ القلّة.
و قوله: «لكم» صفة «رزقا»- إن أريد به المرزوق، و مفعوله إن أريد به المصدر، يعني: «رزقا ايّاكم».
و قوله: «فلا تجعلوا» متعلّق إمّا بقوله: «اعبدوا» على أنه نهي معطوف عليه، او نفي منصوب بإضمار «أن» جواب له؛ و إمّا بقوله «لعلّكم» و المعنى «خلقكم لكي تتّقوا و تخافوا عقابه فلا تجعلوا له ندّا» فيكون منصوبا كنصب «اطّلع» في قوله: