تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٢ - الإشراق الثاني
الأثواب و الأكيسة منه، و أيضا فلو كانت من الذهب- مثلا- لم يمكن الزراعة عليه، و لا اتّخاذ الأبنية منه.
و ثانيها أن لا يكون في غاية الشفيف و اللطافة، و إلّا لما استقرّ عليه النور، و لم يقبل التسخّن من الكواكب فكان باردا جدّا لا يصلح أن يكون فراشا للحيوانات؛ فمن لطف اللّه تعالى أن جعل الأرض ذات لون غبراء ليستقرّ عليها ساطع الضياء.
و ثالثها أن يكون بارزا من الماء، لأنّ طبع الأرض أن تكون غائصا في الماء، فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض، و لو كانت كذلك [لم تكن] فراشا- هذا هو السبب الغائي- و أمّا السبب الفاعلي: فهو ما يحدث في قعر البحر بسبب أمواجه الحاصلة من الرياح من شبه الأخاديد و الوهدات، و المواضع المرتفعات، فينحدر منها إلى الوهدات فيتبرز الأعلى منها، فصار مجموع الأرض و الماء كرة واحدة، يدل على ذلك فيما بين الخافقين تقدّم طلوع الكوكب و غروبها للمشرقين على طلوعها و غروبها للمغربيين، و فيما بين الشمال و الجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر للواغلين في الشمال و بالعكس للواغلين في الجنوب، و تركّب الاختلاف لمن يسير على سمت بين السّمتين إلى غير ذلك من الأعراض الخاصّة بالاستدارة- يستوي في ذلك راكب البرّ و راكب البحر، و نتوء الجبال- و إن شمخت- لا يخرجها عن الاستدارة، لأنّها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها.
و رابعها أن تكون ساكنة، إذ لو تحرّكت فإمّا على الاستقامة، او على الاستدارة و كلاهما باطل ينافي الافتراش.
أمّا الاستقامة: فلأنّها لو تحرّكت بكليّتها حركة مستقيمة لكانت إلى جانب السفل- لا غير- لثقلها الطبيعي، فإذا تحرّكت هي كذلك لم يمكن استقرار ثقيل آخر عليها لأنه ها و، و الأرض هاوية، و هي أثقل، و الثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما في النزول، و الأبطأ في النزول لا يلحق الأسرع، فلا يمكن وصول الإنسان إلى وجه الأرض حتى يفترشها.