تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩١ - الإشراق الثاني
فيها، لكن النبذ القليل منها أنّ اللّه جعل الأرض في مركز الفلك و وسط الكلّ، فإنها لو كانت مجاورة للأجرام العلويّة لاحترقت لشدّة تسخين الحركة الدائمة فصارت نارا محضة، و على تقدير بقائها أرضا ما كان يمكن أن يتكوّن عليها حيوان، و لا أن ينبت منها نبات، و ذلك ينافي ما ذكرناه من الرحمة الشاملة.
و من رحمته أيضا جعلت الطبقة الناريّة مجاورة للسّماء بعيدة عن الأرض، و إلّا لتضاعف التسخين بتوسيطها بين الأرض و الهواء، إذ لو جاورت الهواء من تحت لأحالتها بدوام مجاورتها و سخنها الفلك أيضا بسرعة حركته، فاحترقت بواقي العناصر و صار الكلّ نارا، فانفسدت العناصر و المركبّات كلها.
و لمّا كانت العناية مقتضية لوجود نفوس إنسانيّة شريفة مستكملة بالعلم و الطهارة و لا يمكن ذلك بدون أبدان حيوانيّة و نباتيّة يغلب على أكثرها العنصر اليابس. الذي يمسكها و يحفظ الصور و الأشكال عليها، و أيضا لحاجة الحيوان لتنفّسه بل النبات أيضا لتبسّطه إلى أن يستقرّ على مكان يحيط بجوانبه الهواء، و لا يغرق في جسم متراكم فلا بدّ أن يكون موضع أفراد الحيوان و النّبات جسم بارد يابس متماسك الأجزاء، فخلق اللّه الأرض كذلك ليجاورها ليستقرّ عليها الحيوان و النّبات الغالب عليهما الأرضيّة.
و إليه الإشارة بقوله: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً إذ «الفراش» في اللّغة اسم لما يفرش عليه، ك «المهاد» اسم لما يمهّد، «و البساط»: لما يبسط. فليس ذلك دليل على أن الأرض مسطّحة و ليست بكريّة، و لا يلزم إلّا أن الناس يفترشونها و يفعلون بها ما يفعلون بالمفارش، سواء كانت على شكل المستوي او الكري، فالافتراش عليها غير مستنكر و لا مرفوع لعظم جرمها و تباعد أكنافها و أطرافها، و لكن لا يتمّ الافتراش عليها إلا بشروط:
أحدها أن لا يكون في غاية اللين كالماء الذي يغوص فيه الرجل- كما وقعت إليه الإشارة- و لا في غاية الصلابة كالحجر فإنّ النوم عليه ممّا يولم البدن لتعذّر أخذ