تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٦ - الإشراق الثاني
فإذا سئلنا بأن الأرض لما ذا صارت في وسط الأجسام؟
قلنا: لأن اللّه بقدرته التي تمسك السموات و الأرض أن تزولا جعلها ذات طبيعة تقتضي ميل جسمها إلى تحت مطلقا.
و إن سئلنا: لم صار الجسم ذا هذه الطبيعة؟
قلنا: لأن هذه الطبيعة اقتضته و استلزمته.
ثمّ إن سئلنا بأن هذه الطبيعة لم صارت هذه الطبيعة؟ فلا يستحق الجواب إذ كل شيء هو هو، و الجعل لا يتخلّل بين الشيء و ذاته.
و إن سئلنا: بأنه لما ذا وجدت هذه الطبيعة؟
قلنا: لإرادة اللّه و أمره المنبعثان عن علمه بوجه الخير في جميع الأشياء التي من جملتها هذه الطبيعة على ترتيب و نظام لائق، و هو عين قدرته النافذة في جميع الأشياء على ترتيب تقدّم و تأخّر و نظام فبقدرته التي تمسك السموات و الأرض أن تزولا يمسك الأرض في الموضع الذي أثبته من غير علاقة من فوق او دعامة من تحت، كما أمسك السماء أن يقع على الأرض من غير علاقة وضعية، او اعتماد جسماني، و لكلّ شيء مقام معلوم لا يتعدّاه و لا يتقدّم عليه و لا يتاخّر عنه، هكذا يجب أن يتصوّر العارف إرادته و قدرته ليأمن عن اعتقاد التغيّر في ذاته، و التعطّل في صفاته و الجور في أحكامه.
فإن قلت: هل في قدرة اللّه أن يخلق هذه الأشياء النازلة في هذا العالم من غير أن يخلق الوسائط و الأسباب؟
قلت: نعم- لأن المصحّح للمقدوريّة الإمكان، فمن قدر على خلق الأعلى يقدر على خلق الأدنى، و من قدر على إيجاد الجواهر الشريفة فهو أقدر على الجواهر الخسيسة كما قال: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [٤٠/ ٥٧] إلّا إن ذلك ممتنع من جهة العلم و الحكمة، لا من جهة العجز و النقيصة، إذ ليس من الحكمة تقديم الأخسّ الأدنى على الأشرف الأعلى، فخلاف الحكمة ممتنع من اللّه- لا لأنه غير مقدور.