تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٥ - مسألة
و عن الثاني بأنّ المطابق لما ارتسم فيه من حيث تصديقه و إذعانه صادق، و تلك الكواذب- و إن كانت مرتسمة فيه- لكن لا بوجه التصديق بها و الإذعان- بل بوجه الحفظ- فإنّ الحافظ لا يلزم أن يكون مذعنا بما يحفظه.
- لا لما قاله بعض الأفاضل: «إن الحافظ لا يجب أن يكون مدركا لما يحفظه» و مثّل ذلك بحافظة الإنسان و خياله حيث إن الخيال خزانة الصور و ليس مدركا لها، لأن حافظة الصور سواء كانت عقليّة او حسيّة لا تنفك عن المدركة، و إن كانت جهة الحفظ غير جهة القبول في بعض الأشياء، الا ان الحافظ و المدرك لهما ذات واحدة.
بل لأنّ اللازم من انحفاظ صور الكواذب و سائر ما يوجد في هذا العالم من الشرور و الآلام و غيرها تصوّر العقل الفعّال لها بوجه من وجوه التصور اللائق به، أو لا ترى أنّهم ذهبوا إلى أنّ العلم بجميع الأشياء السفليّة حاصل للمراتب العالية، و فيها صورة النقائص و الشرور و الآفات و الأمراض و الأوجاع و القبائح الموجودة هاهنا، و هي مع ذلك بريئة منها بالكليّة، لبرائة عالم الأمر عن الشرّ مطلقا.
فكما لا يلزم من تعقّل المرض و الآفة و الشرّ أن يكون العالم بها مريضا، مأوفا، شرّيرا، فكذا لا يلزم من تعقّل الكذب أن يكون العالم به كاذبا، لأنّ الكاذب هو المذعن بالكذب- لا المتصوّر له- فصورة الكذب في العقل ليست كذبا، كما إنّ صورة الحركة و الحرارة في العقل ليست حركة و حرارة، فارتسام صور الكواذب في عالم الأمر يستلزم كونه عالما بها من حيث التصور على وجه عقليّ، و لا يستلزم منه حصول التصديق بها و الإذعان.
و عن الثالث بأنّ صدق الخبر و صحّة الحكم الذي في الجوهر العقلي المسمّى عندهم بالعقل الفعّال لا يكون لكونه مطابقا لما في نفس الأمر، بل يكون لكونه عينه فيكون صدق الخبر أعمّ من كونه نفس الأمر، أو مطابقا له، ففي التعريف الذي ذكروه من المطابقة نوع مسامحة من باب عموم المجاز.