تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٨ - فصل
فصل
اختلفوا في سبب نزول هذه الآية على أقوال:
الأول ما روي عن ابن عباس و ابن مسعود: إن اللّه لمّا ضرب المثلين قبل هذه الآية للمنافقين- يعني قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [٢/ ١٩] و قوله:
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ قال المنافقون «اللّه أعلى و أجلّ من أن يضرب الأمثال» فأنزل هذه الآية.
أقول: و يحتمل إن المنافقين الذين كانوا في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله- لقصور حالهم و اتّباعهم لقضايا عقولهم الناقصة، او لتشبّثهم بأذيال المتفلسفة النافين لعلمه بالجزئيات المتغيّرة- زعموا إن التمثيل بهذه الأشياء الجزئيّة لا يجوز و لا يمكن إلا بآلات و مشاعر جزئيّة، فكيف يتصوّر أن يقع الوحي بها إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله عند عروجه بروحه إلى المقام الأعلى من عالم الحسّ و التخيّل و تلقيّه للمعارف، فوقعت الإشارة إلى دفع ما زعموه بأن التمثيل بها- و بما هو أقلّ قدرا و أنزل مرتبة منها- واقع من اللّه، و لكن العلم بحقيّة ذلك و بكيفيّة الوحي و الإنزال لا يمكن إلّا لمن آمن باللّه و آياته و عرف بكيفيّة تلقّي النبي صلّى اللّه عليه و آله القرآن من لدنه، فيهتدي بذلك؛ و أمّا الجاهل المغرور بعقله فيقع لأجله في الضلالة.
الثاني عن قتادة و الحسن: لما ضرب اللّه المثل بالذباب و العنكبوت تكلّم فيه قوم من المشركين و عابوا ذكره فأنزلت.
الثالث عن ابن عبّاس: إن هذا الطعن وقع من اليهود، فإنّه لما نزل يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [٢٢/ ٧٣] فطعن في أصنامهم بأنّها كالذباب، و شبّهت عبادتها ببيت العنكبوت قالت اليهود: «أيّ قدر للذباب و العنكبوت حتى يضرب اللّه بهما المثل»؟ فنزلت.