تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٦ - مسألة
و قد وجد في كلام بعض الحكماء كأرسطو في أثولوجيا [١] ما يفهم منه إنّ علم المبادي أجلّ من أن يوصف بالصدق، و إنّما هو الحقّ- بمعنى إنّه الواقع، لا المطابق للواقع فلا حاجة إلى ارتكاب التجوّز أصلا.
و اعلم إن الحكماء أرادوا بالعقل الفعّال عالم الأمر كلّه، و هو بعينه عند التحقيق ما فيه صور علم اللّه من اللوح المحفوظ الذي كتب اللّه فيه صورة ما في السموات و ما في الأرض بيد القدرة الإلهية، فالأولي أن يقال: إنّ الصدق بمطابقة الخبر لما في علم اللّه، و الحقّ هو عين علمه بالأشياء على وجهه.
و قيل [٢]: لا يكفي في صدق الخبر المطابقة فقط، بل لا بدّ معها من اعتقاد المخبر انه كذلك عن دلالة او أمارة، لأنه تعالى كذّب المنافقين في قولهم: إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [٦٣/ ١] لمّا لم يعتقدوا مطابقته.
وردّ بأنّ التكذيب انصرف إلى قولهم: نَشْهَدُ [٣] لأن الشهادة إخبار عن تحقّق العلم، و هم ما كانوا عالمين بحقيّة الرسول، لأن ذلك بالبرهان شأن اولي العلم و الدراية، و بالتقليد شأن أهل السلامة للقلوب و الصفاء للصدور من الجهل و العناد و الاستكبار، و كلاهما مفقودان عنهم.
[١] راجع أثولوجيا، الميمر العاشر: ١٦٠. و الخامس: ٦٦.
[٢] القائل: النظام.
[٣] إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ
إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ
يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [٦٣/ ١].